آخر المواضيع

mercredi 11 février 2015

février 11, 2015

التحرش الجنسي.. من المسؤول؟

التحرش الجنسي نوع من الإرهاب يمارس ضد المرأة ويؤثر سلباً على جسدها ونفسيتها ومعنوياتها, ويكون التحرش إما لفظياً وذلك بإسماع المرأة كلمات بذيئة أو يكون عن طريق لمس جسد المرأة عنوة أو تحت التهديد أو أحياناً يكون بإزعاج المرأة بالاتصالات الهاتفية.

وظاهرة التحرش قديمة حديثة، حيث عانت معظم المجتمعات هذه الظاهرة؛ فمنذ القدم حتى يومنا الحاضر كنا نسمع ونقرأ عنها تحدث في مجتمعات مختلفة عنا بعاداتها وتقاليدها إلا أنها كانت بعيدة عن مجتمعنا حتى وقت قريب، والآن من يُصدِّق أن هذه الظاهرة تحدث في مجتمعاتنا العربية والإسلامية؟! فقد بين استطلاع أجرته جريدة أردنية على طالبات الجامعة في الأردن أن 57% من الطالبات يتعرضن للتحرش من قبل أساتذتهن للحصول على درجات عالية، وشهدت مصر في ثاني أيام عيد الفطر المبارك حادث مروع من التحرش الجماعي بالفتيات وبالنساء من مختلف الأعمار في إحدى شوارع العاصمة.

وبرغم انتشار هذه الظاهرة بصورة كبيرة إلا أنه لا توجد إحصاءات أكيدة بهذا الشأن، وذلك لأن أعداد اللاتي تعرضن للتحرش واعترفن بذلك قليلة جداً، مقارنة بمن كتمن الموضوع وفضَّلْنَ إبقاء الأمر سرياً جداً. حيث أوردت إحصائية سورية أن 2% فقط من المتحرشات بهن يقدمن الشكوى للجهات المعنية، فالجميع يحاول إسدال الستار عليها سواءٌ المجتمع أم المرأة نفسها، خوفاً من إلحاق العار بها أو بعائلتها وتحسباً من إلقاء اللوم عليها واتهامها بما ليس لها يد فيه. حتى أصبح الصمت والكتمان ثقافة والخجل طبعاً لا يمكن تجاوزه، برغم أن ثوابت حضارتنا العربية والإسلامية وثقافتنا تنادي بأنه لا حماية ولا تستر على جريمة المتحرش بالفتاة وذلك من شأنه أن يردع الفاسد عن ارتكاب الأخطاء ويوقفه عن تكرار آثامه.

التحرش بالأقارب:
وتتعدد صور التحرش وأنواعه وتبقى أصعبها وأكثرها تأثيراً ذلك الذي يمارسه المتحرش مع محارمه، أو ما يسمى بتحرش الأقارب، حيث تروي فتاة في الثانية عشرة من عمرها أنها تعرضت للتحرش مرتين في عمرها على يد أخيها، وبقيت آثار هذا التحرش في حياتها لا تفارق مخيلتها وبرغم زواجها وبنائها لأسرتها تتعهد الفتاة أمام الله أنها ستحافظ على كيانها وتمنع وقوع مثل هذه الوقيعة بين أفرادها، وهذا زوجٌ رؤوف يعاني آثار حادثة تحرش كانت قد حصلت لزوجته أيام كانت طفلة في السابعة من عمرها وتعرضت لتحرش كبير من قبل ابن جيرانهم، فبقيت تعاني آثاره حتى بعد زواجها، وتعيش علاقة زوجية متوترة.

والتحرش يمكن أن يحدث للمرأة في الأسواق والمستشفيات والأماكن العامة والأخطر من هذا كله عندما يحصل لها في بيتها ومع أقرب محارمها وبرغم ذلك لا يمكنها الإفصاح عما يحصل لها، إذ تعتقد بأنها إذا اشتكت ستعاني- من جراء الشكوى- أضعاف ما تعانيه من التحرش، فتفضل التستر على ما حصل لها وأحياناً تخضع لمن يتحرش بها خوفاً من اتهام الآخرين لها، ولكي تظهر بمظهر مثالي أمام الآخرين، حيث تضع بعض المجتمعات كامل المسؤولية على عاتق المرأة وتبرئ الرجل، بحجة أن المرأة لو لم تغر الرجل لما تحرش بها.

أسباب المشكلة:
وفي الوقت الذي لا نُبرِّئ كل النساء من التسبب في التحرش بسلوكيات تبدو شاذة عن أصول المجتمع وتقاليده وقيمه، فمنهن من تتبرج وتتعطر وتخرج من منزلها بسبب وبدون سبب، فتُعرِّض نفسها للتحرش إن كان ذلك عن قصد أو غير قصد، لكنها تدعو بذلك النفوس الضعيفة للتحرش بها, إلا أنه علينا أن نعرف أن هناك أمثلة كثيرة تعرضت فيها المرأة المحتشمة للتحرش، وذلك لأننا محاطون بعدد لا يستهان به من الشباب الطائش المهمل لدينه ودنياه والمتناسي قواعد ومبادئ ديننا الحنيف، والذي ترك كل ما هو مهم في حياته واتجه صوب مصادر الفساد والإفساد، ليتابع القنوات الماجنة والأغاني الهابطة مرافقاً أصدقاء السوء متسكعاً هنا وهناك.

العلماء ينصحون:
ينصح علماء الدين والفقه جميع الأهل بإعادة النظر في تربية أبنائهم ذكوراً وإناثاً واتباع القواعد الإسلامية في هذا الصدد، وبناء الثقة بأنفسهم، وتعليمهم الحلال والحرام، والأخلاق والقيم ، وكيف يحافظون على حياتهم من كل ما قد يشوبها، أو يعكر صفوها، ومن الضرورة أن تكون العلاقة بين الأهل والأبناء متينة تشعرهم بالأمان، وأن يتعلم الأبناء مصارحة الأهل بكل ما قد يسيء إليهم، وبذلك نحمي أبناءنا من الوقوع في هذه التجربة المريعة، والتي ربما تؤثر في مسيرة حياتهم, فالعيادات والمستشفيات النفسية تعج اليوم بالكثيرين ممن عجزوا عن تجاوز آثار التحرش.

الإسلام يحفظ حرمة الآخر:
الأديان السماوية بصورة عامة والدين الإسلامي بصورة خاصة، علمت الإنسان احترام أخيه الإنسان وعلمته أن للآخر حرمة يجب ألا يتعداها، حرمة الحياة، وحرمة المال، وحرمة العرض والكرامة، والإنسان يجب أن يتلقى هذه المبادئ منذ طفولته، والقرآن الكريم يوجه الأهل إلى أن الطفل قبل أن يبلغ الحلم عليه أن يستأذن فلا يدخل على والديه في أوقات ثلاث: وهي قبل الفجر ووقت الظهيرة وبعد العشاء، وبهذه التعاليم اليسيرة يتعلم الطفل أن للآخر حرمة عليه ألا يتعداها سواء أكان هذا الآخر والديه أم أخوته أم جيرانه أم أصحابه، وهذه التعاليم تطبق على الجميع دون استثناء، وهكذا أحفظُ حرمة الناس ويحفظون حرمتي وبذلك نعيش حياة آمنة، وإن بقي بعض الشواذ فسيكونون في نطاق ضيق جداً وسيجدون أمامهم صعوبات كثيرة، وعلينا أن نتذكر أن الدين الإسلامي يحارب الفحشاء بكل صورها وأشكالها، ووضع لها العقوبات التي تؤمن لكل فرد كرامته وإنسانيته، وليتولى كل منا تربية أولاده تربية صحيحة اعتماداً على توصيات الدين الإسلامي وبمساعدة بعض علماء الدين الأفاضل ومساعدة المدرسة والإعلام المرئي والمكتوب وحتى بعض المراكز الثقافية، كي نملأ وقت أطفالنا بكل ما هو مفيد وقيم، وبذلك يكون كل فرد محافظاً على كرامة الآخرين واثقاً من نفسه ومن إمكاناته، ولا يسمح لأي إنسان أن يتعدى عليه، مهما كان نوع هذا التعدي صغيراً أو كبيراً.



février 11, 2015

وقاية الأولاد من الانحراف

المجتمع الجديد وأصداؤه:
اختفاء حدود الخصوصية:
لا نغالي إذا قلنا إن المجتمع بصورته المعاصرة التي نحياها – مجتمع جديد سريع التغير، تتلاحق فيه الأحداث وتتنوَّع بسرعة رهيبةٍ.. مُجْتَمَع ضاقَتْ فيه مِساحة الخصوصية حتى كادت تختفي فيه الحدود؛ فتداخلت الأمور واهتزت كثير من القيم.

إن المجتمع العالمي يعيش اليوم حالة إعصار مادي جارف يجتاح كل شيء، فعلى الرغم من تحقّق الإشباع المادي، إلا أن جوعة القلب والروح زادت واشتدت وطأتها، واهتزت القيم النَّبيلة، فتباعدت المسافات بين القلوب، وأصبح لكل قيمة خلقية ثمن. وكل هذا ترك أصداءه على إنسان العصر.

وعلى الرغم من أن الملتزمين يحاولون الثبات والصمود والتمسك بالقيم الأصيلة، والمحافظة على الثوابت الدينية، إلا أنهم لم يسلموا من جائحة الإعصار المادّيّ الذي يعولم كل شيء ويكتسح في طريقه كل شيء، فأصابهم منه شظايا.

أَثَرُ التقنيات الحديثة في تغير المجتمع:
أقوى أسباب التغير والتحول الذي أصاب المجتمع الإنساني في عصرنا هذا – مستحدثات التكنولوجيا، وبخاصة وسائل الاتصالات المختلفة من المحمول والكمبيوتر والفضائيات وشبكات المعلومات... إلخ، ذلك النسيج العنكبوتي الذي أحال العالم إلى قرية صغيرة، واختزل المسافات، وأوجد بعدًا جديدًا لتلاقي المشاعر والأفكار.. وما أدراك ما رسائل المحمول والحوارات المفتوحة في "غرف الدردشة" !‍‍ ‍‍

صور من العلاقات المستحدثة:
في الماضي كانت وسائل الغواية والانحراف بسيطةً ومُباشرة وبطيئة، وكانت خطوات إبليس في إغواء بني آدم بطيئة تَأْتِي على مراحل وتأخذ في اسْتِدْراجِ الإنسان إلى شَرَكِ الغواية خطوةً خطوةً، كما تروي لنا كتب التفسير والحديث في سبب نزول قوله تعالى:
{كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [الحشر:16].

تقول الروايات: إن رجلين خرجا للجهاد، وكانت لهما أخت ليس لها من يرعاها سواهما، فلم يجدا من يُؤمَن على أُخْتِهما سوى راهبٍ يَتَعَبَّدُ في صومعته، فتركا أُخْتَهُمَا عِنْدَهُ.. وكان الرَّاهِبُ يضع لها الطعام بجوار الباب ثم يعود إلى صومعته، فأتاه الشيطان ووسوس له أن صنيعه هذا من فعل المتكبرين، فلماذا لا يقدم إليها الطعام بنفسه؟!

وفعل الراهب، ثم أتاه إبليس فوسوس إليه أن يعلِّم هذه المرأة قواعد الدين، وهذا أمر لا غُبار عليه.. واستطاع إبليسُ بِهَذِه الحيلة أن يستدرجه إلى طول المجالسة والخلوة، وما يتبع ذلك من نظرات وهمسات، تطوَّرت بعد ذلك إلى الوقوع في الفاحشة، وحَمَلَتِ المرأة منه، فلمَّا جاءها المخاض أمر إبليس الراهب أن يَقْتُلَ الطِّفْلَ كَيْ يَسْتُرَ فضيحته عن الناس، ففعل!

ولما عاد الأخوان ذَهَب الشيطان إلى أحدهما في المنام وأخبره بشأن أخته مع الراهب، ودلَّه على مكان دفن الطفل.. ثم ذهب الرجلان إلى القاضي ليحكم في قضية أختهما مع ذلك الراهب الفاسق.. ولم يترك إبليس الفرصة تَفِرّ من يده، فها هِيَ الضَّحيَّة بين أصابعه يعبث بها كيف يشاء، ذَهَبَ إِبْلِيسُ إِلى الرَّاهِبِ وَأَوْهَمَهُ أَنَّ بِإِمكانِهِ أَنْ يُخَلّصه من مِحْنَتِه في مُقابل أن يسجد له سجدةً واحدةً.. ومرَّة أخرى قَبِلَ الراهب إغواء إبليس ودعوته للكفر، فسجد للشيطان، وعندها قال له الشيطان: {إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}!

هكذا كانتْ طُرُق الغَواية بسيطةً لا تعقيد فيها، ومرحلية تتدرج خطوة فخطوة حتى يتحقَّق لإبليس غرضُه الأكبر، وهو دعوة الإنسان إلى الكفر والعياذ بالله.

لكنَّ التقنيَّات الحديثة اخْتَصَرَتِ المَسافاتِ أمام إِبْلِيسَ ومهَّدَتْ له سُبُلَ الغواية، ويسَّرت له مُهِمَّتَهُ كي يؤدّيِهَا في أسرع وقت وعلى أكفأ درجة في الأداء!

يستطيع إبليس – في إطار تقنيات العصر – أن يستدْرِجَ ضَحَايَاهُ إلى السقوط في حبائله بطرقٍ مُتَعَدِّدَة ومعقدة وغير مباشرة وبسرعة خاطفة.

فهذا شاب ملتزم بدينه مطيع لربه، توقظه صديقته لصلاة الفجر، برسالة أو رنة من المحمول، ويتعاهدان على ذكر الله وإقام الصلاة! وتبدو هذه خطوةً نحو تعميق الإيمان بالله والإخلاص في عبادته.. وشيئًا فشيئًا تضيق مساحة الذكر والطاعة، وتنمو مساحة الخصوصيَّة في العلاقة، وتزداد خطوات إبليس في غَوايتهما، وتنتهي المسألة بقصة غرام وعلاقة غير شرعية، ولا يبقى أمام الشابين سوى أحد طريقين: إما السقوط في فاحشة الزنا، أويلبِّس الشيطان عليهما الأمر وتنتهي المسألة بزواج عرفي، وثيقة سرية ليس فيها رُكْنٌ من أركان عقد النكاح الشرعي.

إنَّهُما بِذَلِكَ يَصنعان ما يشبه عملية غسيل الأموال، فهما يحاولان تبرير علاقتهما غير الشرعية بغطاء وهميّ، مع أن الأصل باطل، وما بُنِي على باطل فهو باطل.

وقد تصحو الضمائر وتفيق من الغواية، فيشعر كلٌُّ منهما بالندم والرغبة في الرجوع إلى الله، ولكن بعد فوات الأوان، لقد أدْمَنَ هذا المخدر فلا يستطيع الإقلاع عنه، وَكُلَّما حاول أن ينهض من كبوته، راح إبليس يستدرجه لإسقاطه في شركه.

أيضًا مع كساد سوق الزَّواج رأينا سعيًا من حواء وراء آدم تلاحقه باقتحام خصوصِيَّاته وتقديم خدمات خاصة، أملاً في لفت انتباهه ليتزوجها، ورُبَّما انتهت المسألة بعلاقة غير مشروعة يغلق معها باب الزواج حتى إشعار آخر.

كُلّ هذه الصور من اختلال العلاقات والقيم تدعونا إلى التساؤل: أين الخلل؟!

- هلِ الآداب الإسلامية في العلاقة بين الجنسين أصبحت غير واضحة للشباب في إطار التقنية الحديثة؟!

- أهو نَقْصٌ فِي الوَعْيِ بِالقِيَمِ الدّينيَّة التي تحمي الإنسان من السقوط في مهاوي الرذيلة وحَبَائِل الغَواية؟

- أم هو الفراغ؟

وقديمًا قال الشاعر العربي:
إِنَّ الفَرَاغَ وَالشَّبَابَ والْجِدَهْ        مَفْسَدةٌُ  لِلْمَرْءِ  أيُّ  مَفْسَدَهْ
- أم هو عسر الحال وضيق ذات اليد؟!

- أم أن الخلل كامن في صميم هذه الحضارة الماديَّة التي لا يهمها سوى إشباع النزوات والشهوات دون أن تلقي بالاً لحاجات الإنسان الروحية؟!

والإجابة عن كل هذه التساؤلات تكمن في كلمة واحدة: الله، كما قال الله عزَّ وجل لنبيه – صلى الله عليه وسلم -:
{قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} [الأنعام:91].

فَلْنَنْتَبِهْ إلى خطورة الأمر؛ لأنه يتعلَّقُ بِمَصِيرِ الإِنْسَانِ، وَلْتَسْأَلْ نَفْسَكَ أَيُّها الشاب ولتسأل كل فتاة نفسها قبل أن يسقطا في حبائل الغواية والانحراف:
• ما موضوع الحوار بينكما؟
• هل هو نقاش علمي؟
• هل هو نقاش حول قضية اجتماعية؟
• وما حظ العقل فيه؟!
• وما حجم العواطف والمشاعر فيه؟!
• وهل هناك فارق بين الكلام وجهًا لوجه، والكلام عبر الهاتف أو الإنترنت؟!
• وقت الاتصال: هل اختفت حدود الوقت المناسب هنا وأصبحت بلا حدود في الليل والنهار؟!
• هل هو مفتوح أم محدود كما أن الزيارات لها مواعيد، أم أن لها مواعيد مثل اللقاءات الجسدية؟
• هل استكملت عُدَّتك لتحقيق حياة مستقرة لا يشوبها قلق ولا إحساس ٌبالإثم، كي لا تنقلبَ اللَّذَّةُ العاجِلَةُ إلى عذابٍ في الدنيا والآخرة؟!
• هل تشغل وَقْتَكَ وَتَمْلأُ حياتك بأعمال نافعة لك ولغيرك؟ فإن من لم يشغله عملُه شغله الشيطان!
• هل تدرك الفجوة القائمة بين القديم والجديد؟ وهل تحاول تحقيق معادلة التوفيق بين مطالب الدين والدنيا؛ فلا تفقد آخرتك ودنياك، ولا تحرم رضا الله عز وجل وتوفيقه.

سل نفسك هذه الأسئلة، ولا تخدع نفسك، ولا تدع لشياطين الغواية عليك سبيلاً، وتأكد أن الشيطان يجرك إلى الغواية خطوة خطوة، فانتبه واحذر فإن الشيطان يأتي الملتزم من باب الطاعة، والإنسان ضعيف حين يُتْرَكُ لِهَواه وشهواتِه وَنَزَوَاتِه وشيطانه، قال الله عزَّ وجلَّ: {وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفاً} [النساء:28]. ولا حول ولا قُوَّةَ إلا بِاللَّه، بحول الله وقوته يعود الضعف قوةً، ويَنْقَلِبُ العَجْزُ عَزِيمةً وإِرَادةً إذا ما تحلَّى الإنسان بالإيمان واستجاب لهدى ربه وتأتَّتْ له الأوصافُ الإيمانيَّة، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:24].

واعلمْ أنَّ التقنيات الحديثة سلاحٌ ذو حدَّين، يمكن استعمالها في الخير، كما يمكن أن تكون وسائل للشر وحبائل للشيطان.

والله تعالى أرشدنا إلى الخير، قال عز من قائل: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة/148].



février 11, 2015

أبناؤنا والبحث عن مصالحهم

قال لي أبو عبدالله - وهو يحدق في وجهي، بعد أن أشرتُ عليه بالرفق بأبنائه، وحسن التلطُّف معهم -: هل تظن أني أريد بأولادي سوءًا؟ قلتُ له: "حاشاك"، قال: إنما أريد مصلحتهم، هم لا يعرفون مصلحتهم، ومِن واجبنا أن نَأطرهم عليها أَطرًا.

قلت له: يا أبا عبدالله، دعني أسوق لك مثالاً من حديث الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - عندما أتاه أعرابي يستعينه في شيء، فأعطاه، ثم قال له - صلى الله عليه وسلم -: ((أحسنتُ إليك؟))، قال الأعرابي: "لا، ولا أجملت"، فغضب بعضُ المسلمين، وهموا أن يقوموا إليه، فأشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم: ((أنْ كُفُّوا))، فلما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبلغ إلى منزله، دعا الأعرابيَّ إلى البيت فقال: ((إنك إنما جئتَنا تسألنا، فأعطيناك، فقلتَ ما قلت))، فزاده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، وقال: ((أحسنتُ إليك؟))، فقال الأعرابي: "نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا".

قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إنك جئتنا فسألتَنا فأعطيناك، فقلتَ ما قلت، وفي أنفس أصحابي عليك من ذلك شيءٌ، فإذا جئتَ فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي؛ حتى يذهب عن صدورهم))، فقال: "نعم"، فلمَّا جاء الأعرابي، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن صاحبكم كان جاءنا فسألنا فأعطيناه، فقال ما قال، وإنا قد دعوناه فأعطيناه، فزعم أنه قد رضي، كذلك يا أعرابي؟))، فقال الأعرابي: "نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا".

فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن مَثَلي ومثل هذا الأعرابي، كمَثَل رجلٍ كانت له ناقة فشردتْ عليه، فاتَّبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورًا، فقال لهم صاحب الناقة: خلُّوا بيني وبين ناقتي؛ فأنا أرفق بها، وأنا أعلم بها، فتوجَّه إليها، وأخذ لها من قَتَام الأرض ودعاها، حتى جاءت واستجابت، وشد عليها رحلها، وإني لو أطعتكم حيث قال ما قال، لدَخَلَ النار))؛ والحديث من رواية البَزَّار، وابن كثير يضعفه.

أرأيت يا أبا عبدالله؟
مثل البعير هو مثل أولادنا، يشتدُّون هربًا منا، فلو أطرناهم - كما تقول - لزاد فرارُهم وهربهم، ولا بد أن نأخذ لهم شيئًا من قَتَام الأرض، إذا أساء ولدُك، فلا تُعِنِ الشيطانَ عليه، إذا لم يعرف مصلحة نفسه، فلا تزجره، أبدأ بقتام الأرض، اجعله يحبك، ويثق فيك، ويعتقد أنك أقرب إليه من صديقه الذي في الطريق، أعطِه من قتام الأرض؛ حتى تهدأ نفسه، طيِّب خاطره بالكلمة الطيبة، والعبارة اللينة، والهدية التي يحبها، فإذا هدأتْ نفسه، واقترب منك، وشعرتَ أنه قد أناخ ركابه عندك، عندئذٍ اعلم أنها الساعة المناسبة لتشرحَ له وجهه نظرك، وتبيِّن له ما تُريده منه، وتستمع إليه، وتبادله الرأي بالرأي، والحُجَّة بالحجة، وهو - ولا شك - سيطيعك، ولن يخالف لك أمرًا.

قال لي أبو عبدالله - وقد بدا أن القصة أثَّرت فيه بعض التأثير -: والله إنهم لا يعلمون أننا لا نريد لهم إلا الخير، ولا يشعرون أننا نبحث عن مصلحتهم، قلت له: لقد قالها لي أبي، قال: والله لن تعلم مقدار معاناتي في البحث عن مصالحك، حتى يكون لك أبناء، ثم قلتُ له: يا أبا عبدالله، هذه هي الحقيقة، لكن واجبك حتى يدرك ابنك هذه الحقيقة، أن تنزلَ من كونك أبًا، وتخاطبه بلغة عصْره، وبما يعرفه، وتتفَهَّم متطلباته، وإلا اعتقد ابنُك يقينًا أنك منَ الجيل القديم، الذي لا يفهمُ شيئًا في واقع الناس، وأنك لا تفقه شيئًا من متطلبات العصر.

ولذا فإن عليه أن يهز رأسه لك، ثم يفعل ما يحلو له، ثم التفتُّ إليه، وقلتُ: عليك أن تحمد الله - عز وجل - أنْ جعل أبناءك صالحين، كم من الناس يتمنَّى أن يكون له أولاد مثل أولادك، فاحمد الله على نعمته وفضله، واشكره على عطائه ومَنِّه، وصلاح الأب يورث صلاح الذرية من بعده، وعناية الله بهم، وحفظ الله لهم.

قام عنِّي أبو عبدالله وانصرف، ولا أدري إن كان اقتنع بكلامي أو أن حسبي أن أقول كما قال الأول: الحق يحتاج إلى رجلين: رجل ينطق به، ورجل يفهمه.


février 11, 2015

أرجوكم.. لا تكبروا عن التفاهات



البعض منَّا عندما يكبر، تبدو له بعض الأمور الصغيرة واللَّطيفة التي مارسها صغيرًا نوعًا من التفاهة الَّتي لم يعد يراها، وقد يجد الحرَج منها، وربَّما يكون يتمنَّاها؛ ولكن يصدُّه حاجز الخوف والحياء في غير موضعه أحيانًا، ليمتدَّ إلى أقلِّ ما يستطيعه المرء من جهد: "الكلِمة الطيِّبة".

ومِن أعجب ما قد يراه بعضُنا تفاهة: "ملاطفة الوالِدَين"، وعندما أقول "ملاطفة" أو "مداعبة"، فأنا لا أقصِد قلَّة الاحتِرام أو الاستخفاف بهما، سواء بمناداتِهما باسمِهِما أو عدم اللَّباقة في الحديث، يزيد عن ذلك أو ينقص.

إنَّما أقصد الملاطفة التي تُدْخِل السرور على قلبيْهما، وتشعرهم بأهمِّيَّتهم ومكانتهم في نفوس أبنائهم، والَّتي تُحْسَب بالنيَّة الصَّالحة نوعًا من البرِّ بِهما، وحسبُنا في أعلى درجات البِرِّ: مدرسة أبي هُرَيْرة - رضِي الله تعالى عنْه وأرضاه.

عندما كنتُ في المرحلة المتوسِّطة، سألتْنا إحدى الأستاذات سؤالاً من حياتِنا اليومية: مَن منكنَّ تُقَبِّل أو تُعانق أمَّها مرَّة في اليوم؟ فلم تَجِد جوابًا، قالت: حسنًا، مرَّة في الأسبوع، في الشَّهر ... حتَّى وصلتْ أخيرًا في السَّنة.

فأتتْها الإجاباتُ بعد ذلك: أفعل ذلك في العيدين، والأمر لا يتعدَّى السَّلام على الرَّأس واليدين كنوْعٍ من الاحتِرام، وشاركها الرَّأي الكثيرات.

عندما يواجهُني موقفٌ عصيب فقط أتَّجه مباشرة إلى حضْن أمِّي، وبِحُكم معرفة البعض منَّا بالآخر، نعلم أنَّ بعضَنا قد يجِد الحرج في السَّلام - والله - حتَّى بالعيدَين.

ولا أذكر إن كان أحدٌ بالصَّفِّ تكلَّم بإيجابية في هذه المسألة إلاَّ القليلات.

لكُم أن تتخيَّلوا فتياتٍ في سنِّ الثَّانية أو الثالثة عشر، لا تستطيع إحداهُنَّ أن تتناقش فيه مع والدتِها بالشَّكل الذي تشعر أيُّ فتاة في مثل سنِّهنَّ الحاجة الماسَّة لصداقةِ الأمِّ، فضلاً عن أنْواع التَّواصُل البصري والحسِّي!

لا أدْري كيف ونحن أبناء المجتمع المسلِم المتراحِم، الَّذي طبَّق أسمى معاني الاهتِمام والرِّعاية بكل فرْدٍ في المجْتَمع؟! لا أدري!

وقدَّر الله - تعالى - أن يأتي يوْمٌ وأسأل فيه بعض الأخوات الصَّغيرات في جلسةٍ عامَّة نفس السُّؤال، فتأْتِيني الإجابة: بصراحة - يا "أبلة" - كبرنا.

وثانية: صعبة، ما تعوَّدْنا.

وثالثة بكل ثِقة: نعم الحمدُ لله.

ورابعة: عادي!

كيف عادي؟!

- يعني عادي!

- يعني ما تفرق "سلمتِ" "ما سلمت"!

- ما هكذا، لكن أحس "عادي".

فلم أفهم من كلمة "عادي" إلاَّ "عادي"، ولا أدري ما تقصد بـ "عادي"؟!

واستخلصتُ من حديثِهنَّ اللَّطيف أنَّ علاقاتِهنَّ بصديقاتِهنَّ، والحديث عن أحداثِهِنَّ ومُغامراتِهنَّ اليوميَّة المدرسيَّة، وأسرارهنَّ - أكثر ارتباطًا من أمَّهاتِهنَّ، ولم يعد الأمر يشكِّل فرقًا؛ فهو صورة متكرِّرة في أغلب البُيوت، وهو في رأيي طبيعي إذا لم يتجاوز الحدَّ، ويكون هناك تفريطٌ من الأم بِحيث لا تدري حقيقة عن المشاكل العامَّة والخاصَّة التي تواجه فتاتَها، ولا تَجد البنتُ في المقابل الشَّجاعة باستِشارة أمِّها.

لكنِّي ما زلت أتساءل عن سبب إحْجام بعض الفتيات عن التَّواصُل مع أمَّهاتِهِنَّ في هذه السِّنِّ المبكِّرة، هل يعود في الأصْل للأم ونوْعِية التَّربية التي وجدَتْها في صِغَرِها؟ أم يعود للإِهْمال وعدم المبالاة، وجعْل حاجات الأبناء ثانويَّةً في ظلِّ الانشِغال التَّامِّ بأمور أُخرى تراها أهم؟ أم بسبب التأثُّر بوسائل الإعلام، خاصَّة المشاهدة منها؟ أم يعود لمفهوم كبر المرء على هذه التصرُّفات الجميلة، والتي يراها نوعًا من التفاهة، أو البلاهة، أو سمّوها ما شئتم؟!

هل من الطبيعي أن تكون الفتاة متعلِّقة بصديقتِها لدرجة أنَّها تحلُّ محلَّ الأمِّ في الاستشارة والمكانة؟ أم هل من الطَّبيعي أن نكبر ونخشى حتَّى الجلوس بقرب والِدَينا، فضلاً عن السَّلام عليْهِم والتودُّد إليْهِم؟!

لا أدْري، فكل الَّذي أعرف أنَّ المَرْء مهْما كبر لا يزال في عين والدَيْهِ صغيرًا، يُفرحُهما قربُه منهما بالطَّريقة التي يريدون، ما دامت لا تقلِّل من احترامهما، هذا الَّذي سمعته منهم وأشعر أنَّ قلوب الأمَّهات والآباء تنطِق به، مهْما أبْدَوا من صلابة.

فإلى الوالدين أقول:
أوْلادكم فلذات أكبادِكم، ولا توجد قوَّة في الأرض تمنعكم من التقرُّب منهم وتلبية جميع حاجاتِهم، ومنها النفسيَّة والعاطفيَّة منذ وقت مبكر، حتَّى لا تروا ألْوان الانحِراف العاطفي الذي لن ترضوه مستقْبلاً فيهم، أو الجفاء السُّلوكي الَّذي لم تأملوه منهم.

فأرْجوكم، قوموا بواجبِكم في هذا، ولا أظنُّكم بحاجة لدرسٍ في هذه؛ فقَد أودعها الله - تعالى - في قلوبِكم بالفطرة، فقط اتَّبعوها ولا تزْهدوا فيها، وتزوَّدوا من العلم والمعرفة في ترْبِية أوْلادِكم، لاسيَّما المراهقة ومشاكلها.

إلى مَن يلجأ أوْلادكم إن لَم تكونوا أنتُم مِحْور اهتمامِهم، ومنبع مواساتهم، إلى من؟!

لماذا تحمِّلوهم فوق ما يُطيقون؟! وما أوْجَدَكم الله - تعالى - في عالمِهم إلاَّ لتكونوا آباءهم، مهْما كانت ظروف ماضيكم الَّتي لا ينبغي أن تمتدَّ إليْهم تبعاتُها.

وإلى الأبناء أقول:
أرْجوكم، لا تزْهدوا بكل أنواع البر الَّذي تملكون، وعضُّوا عليْها بالنَّواجذ، فلن تجدوا صدًّا من صدر رحيم، ولا ثنيًا من قلب كريم، وإن كان ماضي آبائِكم أخشن من الحصير، فليَكُنْ حاضرُكم بهم أنْعَم من ريش النعام، وأبْدِلوهم خيرًا منه، ولا ينتقل إليْكُم ماضيهم البئيس فتتوارثوه، فأرْجُوكم لا تكبروا على ما تروْنه تفاهات قبل أن يأتي يوْمٌ تتمنَّونَها فلا تجدونَها.

فالوالدان كنزٌ ثَمين، اسألوا عن قيمَتِهِما من حُرِمَهُما، وافعلوا الخير لتنْعموا من بعدِهِما بأطْيب الذِّكْريات.

قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا * رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا} [الإسراء: 23 - 25].

منح من مِحن:
عظيمة هي المِحن التي تخرج من باطنها المِنح، فتهدينا الأيَّام أناسًا هم بالحقيقة آباؤنا، وإن لم يكونوا كذلك، وأهلونا وإخواننا وأخواتُنا الَّذين لم تلدْهم أمَّهاتُنا، يفرحهم ما يفرحنا، ويؤلمهم ما يؤلمنا، وكل ذلك بالإسلام، وبالإسْلام فقط، فما أعظمَ دينَنا! وشكرًا لهم.


février 11, 2015

حسن النداء للأبناء

حسن النداء للأبناء


ينادي أحدُنا ابنَه فيقول: يا أحمد[1]، وقد يناديه فيقول: يا بُني.
لنتفق بدايةً أن نبرة الصوت، وتعابير الوجه الحنون أثناء النداء واحدةٌ، فهل هناك فرق بين النداءين في وقعِهما على نفس الابن، أو في تأثيرهما على الاستجابة؟

سأترك الجوابَ للقُراء الأفاضل بعد قراءة ما سيأتي بيانُه، وليس الهدف منه إثباتَ تفوُّق إحدى الصيغتين على الأخرى في كل الأحوال، بقدر ما هي دعوة للتجرِبة والتأمل.

أما كلماتي التالية، فهي نتيجة لاستقراء آيات القرآن الكريم التي دار فيها الحوار بين الآباء والأبناء، لاحظتُ من خلالها أنه لم يَرِدْ نداءٌ من الأب لابنه باسمه الصريح إلا في حالة واحدة، من آزرَ لإبراهيمَ - عليه السلام - ولا يخفى أن الأبَ في هذه الحالة لم يكن على التوحيد.

في إلماحة سريعة حول النداء، نجد أنه: تصويت بالمُنادَى ليُقبِل، أو هو طلب إقبال المدعو إلى الداعي[2]، وقد يستخدم في أول الكلام، أو خلاله، ويكون النداء للبعيد، وقد يُنادَى القريب إذا كان ساهيًا أو غافلاً؛ تنـزيلاً له منـزلة البعيد، وقد ينادى القريب الذي ليس بِسَاهٍ ولا غافل، إذا كان الخطاب المرتَّب على النداء في محل الاعتناء بشأن المُنادى، ومن أغراضه أن يكون النداء للتأسُّف، أو للتلهف، أو للتنبيه[3]، أو للتَحَزُّن، أو للتكريم والتلطف.

وقد حصل النداءُ في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم، أما الآيات التي ورد فيها الحوار بين الآباء والأبناء، فقد جاء النداء فيها مصاحبًا لوصف البنوَّة مصغرًا، إفرادًا وجمعًا، وكذلك مصاحبًا لوصف الأبوَّة، سواء كان المُنادَى فردًا أو جمعًا من الأبناء، ومن الأمثلة على ذلك: يا بُنَيَّ: {يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا} [هود: 42] يا بَنِيَّ: {يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِد} [يوسف : 67] يا أبتِ: ياأبتي: {يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَر} [الصافات: 102]، يا أبانا: {يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي} [يوسف: 65].

واستخدام النداء مع حضور المُنادَى مستعملٌ مجازًا في طلب حضور الذهن لوعي الكلام، وله أهمية خاصة بين الأب والابن، فالنداءُ المقصود هنا جاءت فيه أداة النداء (يا) مع لفظ البنوة مُصغرًا (بُنَيَّ)؛ دلالةً على المحبة وإخلاص النصح، وتنبيهًا على شدة وقُرب مكانة الابن من الأب، كما أن له عددًا من الفوائد الجليلة، منها على سبيل المثال:
1- أن استخدام النداء مُرَغِّب في الامتثال، حيث نادى كلٌّ من إبراهيم ويعقوب - عليهما السلام - أبناءهما بقولهما: {يا بَنيَّ} فهو نداء تكريم وتلطف، يُرغِّب في امتثال الوصية؛ يقول - تعالى -: {وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 132].


2-واستخدام النداء يدلُّ على الرغبة في إرشاد الابن برفقٍ، ويدل على شفقة الأب، وشفقةُ الأب بابنه من أشد أنواع الشفقة، فكيف إذا اجتمع معها الخوفُ من موت الابن على الكفر كما كان من نوح - عليه السلام - مع ابنه في قوله - تعالى -: {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود: ٤٢ ]، فناداه: بـ "يَا بُنَيَّ" مستعطفًا ومذكِّرًا له بحق الأبوة، في حين صدَّ الكفرُ الابنَ عن الاستجابة لأبيه، فردَّ على حنانه بفظاظة وبُعدٍ عن اللين الذي يتطلَّبه البِرُّ، فلم يقل في المقابل: يا أبتِ؛ بل قال: {سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ} [هود: 43].

ويضيف التصغيرُ لكلمة ابن - بُني - مع النداء أغراضًا مختلفة باختلاف موضوع الحوار؛ فقد يجيء لإظهار التَحنُّن والتحزُّن؛ كما استعمله نوح - عليه السلام - في نداء ابنه؛ ليستجيش به مشاعرَه، ويستميل قلبَه الذي علاه رانُ الكفر للإيمان والنجاة.
ويفيد التصغير معنى التحبُّب، كما كان من يعقوب مع يوسف - عليهما السلام - في قوله – تعالى -: {قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: ٥]، "وفي ذلك كناية عن إمحاض[4] النصح له"[5].

وفي الآيات التي حكتْ موعظةَ لقمانَ لابنه، يقول - تعالى -: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: ١٣]، ثم تكرَّرت كلمة: "يَا بُنَيَّ" فيما بعدها من آيات، فأفادتْ معنى التكريم والتلطف.

ويظهر مما سبق أن تصغيرَ كلمة ابن - بُني - ليس بالضرورة أن يكون على "حقيقة التصغير وإن كان على لفظه، وإنما هو على وجه الترقيق"[6]، فيحصل فيه تنزيلُ المخاطب الكبير منزلةَ الصغير؛ كنايةً عن الشفقة به، والتحبب له[7]، وذلك أدعى لقَبول النصح[8].

وفي المقابل لا بد من الإشارة هنا إلى أهمية النداء المصاحب للفظ الأبوة - يا أبت - وإن كان هذا هو المعتاد في خطاب الأبناء مع الآباء، إلا أنه لم يأتِ في الآيات التي بيَّنتْ حال الأبناء مع الآباء جافًّا معتادًا، حتى وإن كان مع الأب الكافر كآزر؛ بل دلَّ سياقُ الآيات على صدوره من الأبناء بنبرة الصوت التي تُناسب المقام، وبما يوافق الغرضَ من النداء، كالاستعطاف والتوسل في حوار إبراهيم - عليه السلام - مع أبيه، والتوقيرِ في حوار يوسف - عليه السلام - مع أبيه.

ويلاحظ أن النداء قد يتكرر في الموقف الواحد أكثرَ من مرة، كما حصل بين لقمان وابنه، وإبراهيم - عليه السلام - وأبيه، وفي ذلك دلالةٌ على فرط النصيحة، وشدة الحرص، وإعادة تنشيط السامع.

قول الإنسان لغير ابنه يا بُني:
من تتمة الموضوع ونحن نتحدَّث عن تربيةٍ نموذجية لأمَّةٍ لا تقف مسؤوليةُ التربية فيها على الآباء فقط؛ بل تمتدُّ إلى الأقارب، وتصل إلى الجيران، لتشمل كلَّ مسلم يهتم لأمر أبناء المسلمين، ويتمنى لهم ما يتمناه لأبنائه، من تتمة الموضوع أن نتساءل عن قول الإنسان لغير ابنه: يا بُني، هل ورد ذلك عن نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم؟ وماذا عن سلفنا الصالح؟


ورد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نادى بعض الصحابة بقوله: ((يا بني))، روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((يا بُني))[9].

وروى مسلم أيضًا عن المغيرة بن شعبة قال: ما سأل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - أحدٌ عن الدجال أكثرَ مما سألتُه عنه، فقال لي: ((أي بني، وما ينصبك منه؟ إنه لن يضرَّك))، قال: قلتُ: إنهم يزعمون أن معه أنهار الماء وجبال الخبز، قال: ((هو أهون على الله من ذلك))[10].

وقد بَوَّب مسلم لذلك بابًا في جواز قول الإنسان لغير ابنه: يا بني، واستحبابه للملاطفة، أورد فيه الحديثين السابقين، وعلَّق الإمام النووي - رحمه الله - عليه، فقال: "وفي هذين الحديثين جاز قولُ الإنسان لغير ابنه ممن هو أصغر سنًّا منه: يا ابني، ويا بُني مُصغرًا، ويا ولدي، ومعناه تلطف، وأنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة، وكذا يقال له ولمن هو في مثل سن المتكلم: يا أخي؛ للمعنى الذي ذكرناه، وإذا قصد التلطف كان مستحبًّا كما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم"[11].

وكان الصحابة - رضوان الله عليهم - ينادون الطفل المسلم الذي أدرك والدُه الإسلامَ بالنداء "يا ابن أخي"، كما قال عمر بن الخطاب لابن عباس: "قل يا ابن أخي، ولا تحقر نفسك"، أما الطفل المسلم الذي لم يدرك والده الإسلام، فكانوا ينادونه: "يا بني"[12].

وهذا الصعب بن حكيم يحدِّث عن أبيه عن جده، قال: أتيتُ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فجعل يقول: يا ابن أخي، ثم سألني فانتسبتُ له، فعرف أن أبي لم يدرك الإسلام، فجعل يقول: يا بني يا بني[13].

لقد كان هذا النداء من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن صحابته الكرام مع غير أبنائهم، مما يدلُّ على أهميته مع الأبناء من باب أولى، وخيرُكم خيرُكم لأهله.

ـــــــــــــــــــــ
[1] يفرق البعض بين النداء والدعاء؛ فيرى أن الدعاء يأتي فيه حرف النداء مع الاسم: يا فلان.
[2] أحمد مطلوب، "معجم المصطلحات البلاغية وتطورها"، ط2، مكتبة لبنان، لبنان، 1996م، ص658.
[3] بدر الدين محمد بن عبدالله الزركشي، "البرهان في علوم القرآن"، تحقيق: محمد أبو الفضل، دار الجيل، بيروت، 1408هـ - 1988م، ص446.
[4] أي إخلاص، فيقال: أَمْحَضْتُ له النُّصْحَ، إِذا أَخلصتَه.
[5] محمد الطاهر بن عاشور، تفسير "التحرير والتنوير"، دار سحنون، تونس، د.ت، الجزء الثاني عشر، ص213.
[6] أبو عبدالله محمد بن أحمد القرطبي، "الجامع لأحكام القرآن"، تحقيق: عبدالرزاق المهدي، دار الكتاب العربي، بيروت، 1426هـ - 2005م، الجزء الرابع عشر، ص59.
[7] محمد الطاهر بن عاشور، تفسير "التحرير والتنوير"، مرجع سابق، الجزء الواحد والعشرون، ص155.
[8] أبو الحسن إبراهيم بن عمر البقاعي، "نظم الدرر في تناسب الآيات والسور"، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، الهند، 1395هـ - 1975م، الجزء الخامس عشر، ص161.
[9] مسلم بن الحجاج، "صحيح مسلم"، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، باب: جواز قوله لغير ابنه: يا بني، واستحبابه للملاطفة.
[10] المرجع السابق.
[11] أبو زكريا يحيى بن شرف النووي، "شرح النووي على صحيح مسلم"، ط2، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1392هـ، باب: جواز قوله لغير ابنه: يا بني، واستحبابه للملاطفة.
[12] "منهج التربية النبوية للطفل"، محمد نور سويد، ط5، دار ابن كثير، دمشق، 1425هـ - 2004م، ص135.
[13] محمد بن إسماعيل البخاري، "الأدب المفرد"، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، ط3، دار البشائر الإسلامية، بيروت، 1409هـ - 1989م، باب: قول الرجل: يا بني، لمن أبوه لم يدرك الإسلام.





février 11, 2015

أرجوكم .. افهموا أولادكم

في برنامج إذاعي اتصلت أمٌّ تشكو ابنتها، فقالت:
ابنتي تدرس في الجامعة في كلية الهندسة، مِزاجها صعب، وإذا تضايقت تبقى الشهرين والثلاثة لا تكلم أحدًا، وإذا رأت أخاها يساعدني في أعمال البيت، قالت له: اشتغل عند أمِّك كالحمار! فما رأيك؟

ضحك مُقدِّم البرنامج، وقال: أنتم الملومون؛ لأنكم أدخلتموها كلية الهندسة.

فقالت الأم: صدقت.

مقدم البرنامج قال، إنما كان كلامه على سبيل المزاح؛ فالبرنامج لم يكن لحلِّ المشكلات التربوية، ولكن جواب الأمِّ ينمُّ عن جهلها وافتقارها للحكمة التربوية، وأظن أن زوجها كذلك أيضًا؛ وإلا فهل هناك أمٌّ أو أبٌ يتركون ابنتهم كلَّ هذه المدة الطويلة لا تكلمهم دون أن يفعلوا شيئًا أو أن يجدوا حلاًّ؟! وكيف وصلت ابنتهم إلى هذه المرحلة أصلاً لولا أن الإهمال التربوي كان منذ الأساس وفي وقت مبكر جدًّا؟!

لقد أثبتت الدراسات أن أسلوب الوالدين في معاملة أطفالهم يترك آثارًا عاطفية عميقة باقية الأثر في حياتهم، وأن الإهمال البسيط يمكن أن يكون أكثر تدميرًا نفسيًّا من الشتائم المباشرة، وهذا من شأنه أن يفسد نزعة الطفل الطبيعية للتعاطف.

هذه أمٌّ فاشلة فعلاً؛ لأنها لم تنشئ علاقة وصلة حميمة مع ابنتها، فالبنت إن وجَدَتْ مَنْ يسمعها وهي صغيرة ويشاركها همومها، وتعلمتْ أن تخرج وتعبّر عن مشاعرها، لما وصلت إلى هذه الحال الصعبة؛ فالأم ينبغي أن تكون صديقة لابنتها في هذه السن، وكذلك الأب.

نحن ابتداءً ينبغي أن نسمع من البنت؛ فهي ربَّما تعبِّر عن ضِيق في نفسها لا تعرف سببه، ولكنه نتيجة سوء التربية وعدم إشباع حاجات لدى البنت كانت ضرورية؛ حتى تتزن وتستقيم نفسيتها وشخصيتها، وحتى طباعها الصعبة كان بالإمكان تغييرها في الصِّغر.

إن الفروق التي بين الأشخاص في ودِّهم وحنانهم إنما ترجع إلى الطريقة التي تربَّى بها كلٌّ منهم، ونوع الرعاية التي حظي بها من والديه، وورد في كتاب "دور العاطفة في حياة الإنسان": "إن الصمت بحدِّ ذاته أمرٌ مخيف ورسالة قوية، وكأنه مزيج ذو بُعد جليدي يتكون من النفور والشعور بالكراهية والاستعلاء".

إن كثيرًا من الآباء والأمهات لا يفهمون شخصيات أولادهم؛ لأنهم ببساطة لم يقتربوا منهم ومن عالمهم ولم يعطوهم الوقت الكافي، ونتيجة هذا ستكون عدم معرفة الأسلوب الصحيح في التعامل معهم، ودقة الملاحظة في سلوك الولد مهمة جدًّا في التربية، وكثير من العِلل والاضطرابات النفسية ناشئة عن سوء التربية وسوء المعاملة من الوالدين والمحيط الذي يعيش فيه الشخص، والقضية المهمة التي تغيب عن ذهن الكثير من المربين أن الأولاد ليسو سواءً في حاجاتهم المعنوية، فأنت تجد أن الأب أو الأم تقول: إنها ربَّت جميع أولادها بنفس الطريقة، فلماذا اختلف هذا الولد أو هذه البنت عن الباقين؟ هنا تكمن المشكلة؛ فالأم لم تدرك أن أولادها كل له حاجاته التي قد تختلف عن أخيه في بعض الجوانب، ومن الخطأ الكبير أن تعاملهم كلهم بنفس الأسلوب؛ فربَّما تكون إحدى البنات عاطفية حسَّاسة وأختها على النقيض تمامًا، فبالتالي ستختلف طريقة التعامل مع كلٍّ منهما، لا بد أن تُراعَى مثل هذه الفروق الفردية بين الأولاد في التربية.

يا أيها الآباء ويا أيتها الأمهات:
اقتربوا من أولادكم، وافهموا شخصياتهم، واعرفوا حاجاتهم، وغذوهم بالحبِّ والحنان، وأعينوهم على برِّكم، وازرعوا في نفوسهم تقوى الله؛ حتى تستقيم أحوالهم، وأكثروا لهم من الدعاء، والله الموفق.




février 11, 2015

الشباب: جيل جديد وهوايات جديدة

الشباب محطُّ أنظار أيِّ مجتمع في كلِّ زمانٍ ومكان، وهو مياهُ الحياة الجارية المتجدِّدة فينا، من الطفولة حتى المصبِّ، حيث يضعُ الجميع عليها مراكبَ آماله وأحلامه؛ لتوصلَه إلى حيث لا يستطيع أن يصلَ بدونها.

ومع ذلك فقد مَرَّتِ الأُمَّة بظروف من الاحتلال والأزمات السياسية، والاقتصادية والاجتماعية، غَفَلتْ في خضمِّها أحيانًا عن حقوق هؤلاء الشباب، وتلبيةِ احتياجاتهم المختلِفة، والتواصل معهم، ونقْل الخِبْرات الحياتية المختلِفة إليهم.

وسادتْ ثقافةٌ عجيبة لا تجعلك ترى فرْقًا بين ابن العشرين وأبيه في الخمسين؛ إذِ الجميعُ معظم أوقات اليوم أجساد ٌمتعَبة أمام شاشات التليفزيون وأشباهها، وقد حُشِرت أمامهم صنوفُ التسالي والمأكولات، فلم يعد يُرى فرقًا بين الأجيال، لا في الصحَّة ولا في الهوايات، ولا في الاهتمامات وكأنَّ حياتنا في طعامٍ وإلى نوم.

وكان سببُ ذلك ونتيجته في آنٍ واحد هو انتشارَ هوايات جاذبة للبقاء في المنزل؛ إمَّا وحيدًا، وإما منعزلاً بيْن الناس عنهم، كسماع الأغاني وعَزْف الآلات، ومشاهدة الأفلام والمباريات، وألْعاب الكمبيوتر، والحديث بلا جدوَى عبرَ الهاتف بالساعات.

وبصَرْف النظر عن حُكم الشَّرْع في كل هذه الهوايات، فإنها كلَّها هوايات عجائزية - إنْ صحَّ التعبير - لا تشبع من امتلأتْ نفسه بالطاقة والحيوية، وفتوة الشباب.

ولأنه - بحمد الله تعالى - ما زال لدينا شبابٌ يملؤُهم الإيمان ثقةً، وعلوًّا عن سفاسف الأمور، فقد نفَروا من هذه الهوايات المعلَّبة، وعيش الحزين الكئيب، وفتحوا أبوابَ الحياة يأخذون من كلِّ مجال فيها ما يتَّفق وثوابتَهم الدينية والاجتماعية، فأفادوا واستفادوا.

شباب رفَض أن يظلَّ قابعًا كمًّا مهملاً أمام صناديق الأفلام المعلَّبة، والألعاب الطفولية، يصنع غيرُه ويلعب هو، يكسب غيرُه ويدفع هو، يعمل غيرُه وينام هو.

ويعلو غيره وهو يَذِل، ويبقى غيرُه وهو يموت.

شباب خلَّفَ وراءَه بكائيات الأغاني، وهزليات الأفلام وألْعاب الحاسوب (الكمبيوتر)، فيما لا طائلَ منه، واستقبل الحياة بقلْبه الفتيِّ النقي؛ ليضعَ بصمته، ويعيش واقعَه، ويستمتع بفرصته في الحياة التي منحَها الله - عزَّ وجلَّ - له.

شباب تفرَحُ به الأمَّة وتفخر، ولا يملك كلٌّ منا إلا أن يحترمهم، ويعلق عليهم آمالَ نهضة الأمَّة في السنوات القليلة القادِمة - بإذن الله تعالى.

دخل الحاسوب بلادَنا فتعلَّمه وأتقنه، وصنع البرامج التي يحتاج إليها المسلِمون في الحياة والدعوة إلى الله تعالى، ومِن خلال عملِه الدعوي مارَسَ هواياتٍ عديدةً، عِلْمية وأدبية وفنية، وأنشأ المواقِعَ الدعوية والتعليمية، والتجارية وغيرها.

بل ويمكننا القول: إنَّهم قد اخترعوا هوايةً جديدة لشبابنا وبناتنا، ستكون بمثابة التراويح خلالَ فصل الصيف، إنه برنامج لتفريغ المحاضرات، يَستخدم فيها الشبابُ أصحاب الأصابع الرشيقة مهارتهم في العزف على لوحةِ المفاتيح الخاصَّة بجهاز الحاسوب؛ ليجعلوا كلَّ ما يسمعونه من محاضرات العلماء والدعاة مكتوبًا، فيملؤون وقتَ فراغهم بهواية ممتِعة مفيدة، ويتعلَّمون مما يسمعونه، ويعدُّون لكثيرٍ من إخوانهم الدعاةِ وطالبي العِلْم موادَّ علمية مطبوعة تُساعدهم في رِحْلة الطلب.

وأكثر مِن هذا، فقد جاء هذا البرنامج؛ ليستطيعَ من خلاله شبابُ المسلمين العرب أن يتواصلوا مع إخوانهم المسلمين ممَّن لا يتكلَّمون العربية، ويقدموا لهم يدَ العون؛ حتى يستمتعوا بخُطب ودروس المشايخ العرب، كما نستمتع نحن بها، إذْ بمجرَّد نسخ هذه المحاضرات على الورق يقوم المسلِمون في كلِّ مكان بترجمتها إلى لُغاتهم المختلفة، والاستفادة منها، والسعادة بها.

فأيَّ صدقةٍ جارية، وعِلْم يُنتفع به يرجو الشباب ثوابه في الحياة، وبعْدَ الممات؟!

وقد امتلأتْ به كثيرٌ من المنتديات، خاصَّة تلك التي تحمل الطابع الإسلامي، والعمل فيه، يسير على قدَم وساق، فما أجملَ أن تستمتع بالحياة وأنت تزرَع للآخِرة!

ولم يقفِ الشباب عندَ حدِّ جعْلها هوايةً وحسب، بل استفادوا بها في التدريب على الكِتابة السريعة، مما فتَح لهم فُرَص التكسُّب، والعمل في مجالات طباعة الرَّسائل والأبحاث العلمية.

وفي مجال الرِّياضة لم يَعُدْ هؤلاء الشباب يكتَفُون بمقعد المتفرِّج أو (الهتِّيف) وإنما أصبحتِ الرياضة لديهم تعني ممارستَها، واستغلالها في بناء أجسادِهم والترويح عن أنفسهم، وقد نَمَا وعيُهم، وأصبح أحدهم قادرًا على تقييم حجْم موهبته بواقعية تُمكِّنه من اتخاذ القرار بشأنها، وإذا ما كان الأفضلُ له أن تظلَّ الرياضة في حياته مجرَّدَ هواية مفيدة ممتعة، بينما يكون مجال عمله في الحياة هو ما ينبغُ فيه ويبرع، وينفع نفسه وأمَّته.

وفي مجال القراءة ستجد عجبًا في طريقة تفكير هؤلاء الشباب، التي تحوَّلَتْ بمقدار نِصف دائرة عن الطريقة التي كان يُفكِّر بها مَن سبقهم، فبدلاً مِن أنْ يقضوا الأوقاتَ الطويلةَ في قراءة الكُتب والرِّوايات المؤلَّفة، والتي يصنعها الكاتب من وحْي خياله، وخُلاصة أفكاره ورغْبته في توجيه فِكْر الشباب إلى اتِّجاه معيَّن لم يكن دائمًا إيجابيًّا ونزيهًا.

أصبح هؤلاء الشباب يهتمُّون بالقراءة في أمور دِينهم، ويستقون من كلام ربِّهم وسُنَّة نبيهم - صلَّى الله عليه وسلَّم - ما ينطلقون به في الحياةِ على أرْضٍ ثابتة، لا تميد ولا تتغيَّر.

وأقْبل الكثيرون منهم على دراسة عِلْم أصول الحديث، مع ما يتطلَّبه هذا العِلمُ من حب ومثابرة، واجتهاد، ونباهة عقل، وصفاء ذِهْن، وقد استهواهم وأثارَ حماسَهم رؤيتُهم لكبار مُحدِّثي عصرنا كيف يتحدَّثون، ويدفعون عن رسولِ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ويعيشون على هَدْيه.

وبعْد انتشارِ الفضائيات الإسلامية انزوَى حُلمُ كثيرٍ من الشباب بالبطولة الوهميَّة في التمثيل والغِناء، وأصبحوا يَسعَوْن جاهدين نحوَ بطولةٍ حقيقية خالدة مِن خلال الدعوة إلى الله - عزَّ وجلَّ - فامتلأتِ المساجدُ وبرامج الفضائيات بالدُّعاة مِن مختلف المراحل العُمرية في العشرينات، وتحتَ العشرين، بل وأشبال يُعدُّون بمهارةٍ لحمْل لواء الدعوة في المستقبل.

ولم تكنْ فتاتُنا الحبيبة بعيدةً عن كلِّ هذا التغيُّر والتطور، بل كانتْ مشارِكةً فيه، رائدة في كثيرٍ من مجالاته، وبجانب ذلك فقدِ اتَّسعت ثقافتُها، وزاد وعيُها، فملَّتِ الحديث المكرَّر عبر القنوات الإعلامية عن تحرُّرِ المرأة ومساواتها بالرجل، إذ لم يَعُدْ هذا وقتَه ولا عصره، فقد انقضَى هذا العصر وولَّى، وأصبح العالَمُ كلُّه بين يديها، تتجوَّل فيه كيف شاءتْ بالضغط على أزرار لوحة المفاتيح في جِهاز حاسوبها.

ولم تعُدِ الفتاة تلك الساذجة المنبهِرة بمَن تراهنَّ على الشاشات، فتقضي الساعاتِ تطالع وتتأمَّل زينةَ هذه، وملابس تلك، فكل ذلك أصبح بيْن يديها، والساعات التي كانتْ تقضيها في مشاهدة غيرها، أصبحتْ تقضيها في الاهتمامِ بنفسها، خاصَّة وقد اختارتْ كثيرٌ من الفتيات البقاءَ بالبيت، فلم تعد صورةُ الفتاة في المنزل كتلك التي وَضَعَتِ السلك في شَعْرها، والكِريم على وجهها طوالَ الوقت، حتى إذا ما خرجتْ إلى الناس أزالتِ السلك والكِريم؛ ليبدو شكلها أفضل.

وإنَّما فتاتنا جميلةٌ دائمًا في بيتها، فإذا ما خرجَتْ وَضَعتْ عليها ثيابَ حيائها وحجابها، وقد استطاعتْ أن تستفيد بذكاء بتطوُّر العصر، فحصلَتْ عن طريق الحاسوب على دوراتٍ عديدة في مختلف المجالات، بدءًا من إعداد الزَّوْجة الصالِحة، والأم المربية، وإرشادات العناية بالصحَّة والجمال، ومرورًا بدورات تعليمِ التفصيل والخياطة، والتطريز والرَّسْم على الزُّجاج، وصناعة شمْع الزِّينة، والتي كان حصادُها أنْ عاد حنين الفتيات مرةً أخرى لأنْ تضع كلٌّ منهنَّ لمستها الخاصة في كلِّ ركن من أرْكان بيتها.

ولم يُلهْها التقدُّمُ التكنولوجي الذي تعيشه، وتستمتع به عن تحصيلِ العلوم الشرعية، بل ربَّما كان تبحُّرُها أحيانًا في هذه العلوم هو سِرَّ نماء عقلها، وتَفتح قلبها على الحياة، والرَّغْبة في الاستمتاع بكلِّ دقيقة منها في ما يُرْضي الله - تعالى - من المباحات، وما تُرْفَع به في الآخرة الدرجات.

وحتَّى مفهوم السَّفر والسياحة قد اختلف عندَ كثيرٍ من الشباب، وبعدَ أنْ كانت السياحة تعني سفرَ الأغنياء لدول أوروبا وأمريكا، فتَحتْ شركاتُ السياحة اليومَ الفرصةَ للجميع، فاختار أكثرُهم أن يكون السفر أولاً لزِيارة بيت الله الحرام حُجَّاجًا ومعتمرين، وبعد أنْ كان الحج مقتصرًا على كِبار السن، أصبحْنا نرى الشباب اليومَ هم الأكثر سفرًا إلى بلاد الحَرمَيْن، وليس لمرَّة، فيرون البلاد، ويجتمعون بالعِباد، ممَّا يوسِّع المدارك، ويُقوِّي الاعتماد على النفْس، وتحمل المشاقِّ والتعامل مع الصِّعاب، وهم يعودون من كلِّ زيارة، وقد خَفَّتْ ذنوبهم، وثقلت جُيوبهم - بإذن الله - ألم يقلْ رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تابِعوا بيْن الحجِّ والعُمْرة؛ فإنَّهما ينفيان الفقرَ والذنوب، كما ينفي الكِيرُ خبثَ الحديد، والذهب والفِضَّة، وليس للحجَّةِ المبرورة ثوابٌ إلا الجنة، وما من مؤمِن يظلُّ يومَه محرِمًا إلا غابتِ الشمس بذنوبه))؛ حسن صحيح.

وكما رَفَض الشباب أن يبقى أسيرَ الثقافات الهدَّامة، رفَضَ البقاء أسيرَ البطالة والفقر، فانطلق يعمل في مجال (الكمبيوتر) بيعًا وشراءً وصيانة، وفي مجال الكُتب والملابس، وفي كلِّ مجال يدرُّ عليه دخلاً حلالاً، يمكِّنه مِن رفْعِ العبء عن كاهِل والديه، وبَدْءِ حياته العملية ولو قبلَ الانتهاء من دراسته الأكاديمية.

وما يُسعِدني أكثر من أن أدخل مكانًا لبيع أجهزة (الكمبيوتر) فأجد شبابًا في سِنِّ الثامنة عشرة أو أقل أو أكثر، يقومون بالاتِّفاق على أسعار البضائع ونقْلها من السيارة إلى الرُّفوف الخاصة بها، وهم في حركتهم الجادَّة يُوحون إليك بالمسؤولية الكبيرة التي على عاتِقهم.

إنهم يُثبِتون وجودَهم وقدرتَهم على إدارة الأمور بحقٍّ، لا كغيرهم ممن يُثبِت وجودَه بنفث الدُّخَان في الهواء، والجُرْأة على المعاصي، متمثلاً هيئةَ الكِبار، وليس كبيرًا بعد.

فالكبيرُ هو مَن صدق الاتِّباع لرسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - وصَحْبه الكِرام قولاً وعملاً، مهما كان عمرُه، ولقد كان الصحابيُّ ما أن يتجاوزَ سِنَّ الطفولة، حتى يلتحقَ بصفوف الجهاد في سبيل الله - عزَّ وجلَّ - ولقد ولَّى رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أسامةَ بن زيد إمارةَ الجيش، ولم يتخطَّ العشرين من عمره.

وهكذا، فإنَّ كثيرًا من شبابنا اليوم يستقبلون الصَّيْف والإجازات بجدول ممتلِئٍ بالأعمال الطيبة النافعة، ولم يكنِ الحال كذلك قبلَ أعوام قليلة؛ ذلك أنَّ مَن يرى الدنيا لهوًا وراحة، ما أن يحصل على الإجازة حتى يكسلَ عن كلِّ شيء، حتى عن اللهوِّ أحيانًا.

أمَّا أصحاب الهِمم العالية ممَّن يرى الدنيا دارَ اختبار، وتحصيل درجات، فإنَّه ما يكاد يفرغ مِن ميدان سباق، حتى يُسجِّلَ في ميدان آخَرَ، فمِن فوْز إلى فوْز، ومِن طاعة إلى طاعة، ومِن درجة إلى أعْلى، وما يكاد يرتاح ما دام في سِباق الحياة، بل وتجِدُه كالخيل العربي الأصيل إذا ما قارَب على نهاية السِّباق، مدَّ عنقَه، وشدَّ وجَدَّ، حتى النهاية والفوز.

فعَلى مِثْل هؤلاء الشباب يقوم السِّباق، وبمثلهم يكون السَّبق، وعلينا أن نُشجِّعهم ونقف بجوارهم، حتى يتزايدوا ويتقدَّموا، فلا يمضِ وقت طويل إلا وقد أصبح هذا هو حالَ أكثر شبابنا - بإذن الله تعالى - وقد تَسلَّموا بهذه الرُّوحِ الجميلة لواءَ التجديد، والعمل في أمتنا وعصرنا.




نموذج الاتصال

Nom

E-mail *

Message *

Traduction ترجمة

التسميات