آخر المواضيع

vendredi 13 février 2015

février 13, 2015

ليلة الزفاف.. تجهيزات من نوع آخر

حادثتني تريد النصائح لحياتها المستقبلية فلم يتبق على زفافها سوى أيام.. كانت خائفة كثيراً.. قلقة.. مهمومة.. مشغولة الفكر.. مرهقة النفس.. تشعر بتداخل المشاعر بداخلها.. رهاب وقلق وهم وخوف من الفشل.. خليط من المشاعر.. وحُقَّ لها هذا بل كل هذا طبيعي لكل مقبلة على حياة جديدة مختلفة تماماً عما اعتادت عليه ونشأت.. ورجل غريب وشخصية جديدة عليها.. وعالم آخر.. مسئولية بيت وزوج.. ووسط اجتماعي جديد لم تعتد عليه ولم تألفه بعد.. أهل الزوج وعائلته وأقاربه.. وربما عادات وتقاليد مختلفة عما تربت عليه ونشأت طيلة عمرها.. كل هذا مع مزيد من الهم والخوف الخاص من ليلة الزواج والحفل والحضور و.. و.. الخ.. بصراحة المقبلة على الزواج تملك طاقة جبارة عندما تتحمل كل هذا دون انهيار قبل ليلة الزواج.. بل مع ملاحظة أنها كلما اقترب الموعد هجرت الأكل والنوم وصاحبت السهر والأرق والتفكير.. !

أعانك الله أيتها العروس..
نعود لصاحبتي.. بالتأكيد عندما استنصحتني قدمت لها كل ما بجعبتي من خلال المعرفة المتواضعة والتجربة البسيطة.. ووددتُ نفع الأخوات بما قلت لها فنقلته هنا راجية أن يجدن فيه ضالتهن..
طبعاً لن نفتأ نذكر بأهمية تقوى الله في حياتنا وجميع شؤوننا.. وهذا هو منطلق سعادتنا وسرها الحقيقي..
1ـ حاولي تهدئة نفسك قدر الإمكان.. اذكري الله باستمرار.. في كل أحوالك سبحي واستغفري.. خاصة الاستغفار الزميه في كل حي.
2ـ أبدت مخاوفها من كيفية تفهمه وخوفها من أهله.. فذكَّرْتُها بمقياس لسعادتها لا يخيب إلا عند من فسدت قلوبهم وضل سعيهم وأراد الله استدراجهم بنعمه الدنيوية عليهم.. إنه الإقلاع والبعد عن المعاصي والذنوب.

فهي ـ والله ـ سبب مشاكلنا وسر تعاستنا في حياتنا وخاصة الحياة الزوجية.. لكل معصية أو ذنب أثر واضح جلي فيما يعقبه من مشاكل أو شقاء في حياتنا.. ولو دققنا ولاحظنا لوجدنا ذلك بيناً جداً.. ألم يقل أحد السلف يوماً (إني لأفعل الذنب فأرى أثر ذلك في خلق دابتي وزوجتي!!) فما بالنا بذنوبنا نحن التي كالجبال؟ لا عجب ولا غرابة إن شقينا وأصبحت أيام سعادتنا محدودة معدودة فهي بما كسبت أيدينا ويعفو عن كثير.. {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير}.
3ـ الحفل الذي ستقيمه أي عروس.. لابد من مراعاة انتفاء وجود منكرات فيه؛ فبدء حياتنا بهذه المكدرات والمنغصات من الآثام هي بداية لطريقة وحلقة من سلسلة طويلة لعذاباتنا ومشاكلنا الأسرية.. والمنكرات متعددة وكثيرة وسأذكر بعضاً منها على عجل :

* الإسراف في تكاليف تجهيزات الزواج والعروس ومنها :
= بطاقات الدعوة التي تطبع بأثمن الأسعار ثم مصيرها حاوية النفايات أكرم الله الجميع.
= ثمن الكوافيرة والذي كما سمعت عند البعض يبلغ آلافا عدة!!
= باقي التجهيزات لا داعي لاختيار أغلى الأثمان بل اختاري الجيد مضمونا وسعراً..
* حاولي أن يكون من بين المدعوين أناس محتاجون.. ليحضر الوليمة من يستحقها من المحرومين.. وفي هذا حديث وإن لم يحصل لك ذلك اتفقي مع أي المؤسسات الخيرية على حضورهم بعد العشاء لأخذ ما تبقى وتوزيعه على من يحتاجه.. فنحن نموت بالتخمة وغيرنا يموت من الجوع !!
* احرصي أن يكون المدعوون ممن يتقون الله تعالى حتى لا تحتاجين إلى أمر بمعروف أو نهي عن منكر.. وما أصعبه في مثل هذه الليلة.
* المنهج النبوي أن الاحتفال والضرب بالدفوف للنساء فقط ولم يكن يستغرق الليل كله، بل كان وقتا يكفي لإعلان الناس بالنكاح وإشهاره وإدخال السرور على العروسين وأهليهما والأحباب..
* حاولي لزيادة الخير توزيع مطويات أو أشرطة نافعة، للحضور وستجدي أثمانها متواضعة للتوزيع الخيري والكميات الكبيرة..
* احرصي على حجابك في ليلة زفافك لا يستخفنك الشيطان لتبدئي حياتك بمعصية..
4ـ حتى تنعمي بسعادتك وزوجك وتيسير أموركما لا تجعلي صلاة الجماعة تفوته إطلاقاً، ولو كان أول يوم.. ولو سهرتم.. وثِّقي هذا الرباط بحبل الله.. طبعاً لن يرفض لك طلباً فلا تتردي.. وأخلصي النية لله..
5ـ الزمي الأذكار.. أذكار الصباح والمساء والأذكار الخاصة بكل أعمال المسلم اليومية عند الطعام والشراب واللباس والدخول والخروج.. لأنها بصفة عامة خير وفضل عظيم.. والأمر الآخر هي خير حافظ لك بإذن الله.. ولن تتعبك فهي لا تستغرق وقتاً وجهداً.. ولا تنسي أن تذكري زوجك بها .
6ـ بشكل عام اجعلي ميزانك في كل شيء في حياتك مبدئياً ومستقبلياً طاعة الله ورضاه..
7 ـ ثقي تمام الثقة بأنه (من أرضى الناس بسخط الله أسخط الله وأسخط عليه الناس ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس).
هذا الأثر يحتاج لوقفة تأمل من كل من يسعون جاهدين في جميع أمورهم لإرضاء الآخرين والاهتمام بما يقول الناس وما ينال إعجابهم، بغض النظر إن كان فيه رضا الله أو سخطه..

فإن قالت إحداكن البيئة التي حولي لا تساعد !
قلت لها: من استعان بالله أعانه، ومن توكل عليه كفاه، ومن طلب الرضا عنده أرضاه.
أسعد الله صاحبتي وكل عروس من فتيات وشباب المسلمين بطاعته  وهداهم للحق والهدى، وأبعد عنهم كيد الشيطان ونزغه..اللهم ارزقهم الذرية الصالحة وأسعدهم واجعل كل نساء المسلمين وذرياتهن قرة أعين لأزواجهن واجعلهم هادين مهديين. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه..
ـــــــــــــــــــــــــــــ
من كتاب "زواج بلا مكياج".. بتصرف.

février 13, 2015

إلى الباحثين عن التميز


التميز.. مطلب تبحث عنه النفوس، وتسعى وراءه العقول، وتهوى إليه الأفئدة.. لا يكاد يوجد إنسان على ظهر الأرض إلا وهو يبحث عن التميز والتفرد المطلق والشعور بالتفوق على الآخرين.

ولا شك أن هذا الشعور وهذا المطلب مطلب مشروع، ومن حق كل إنسان أن يكون كذلك، بل من حقه أن يسعى للوصول إلى مطلبه، ما دام القصد مشروعا والوسيلة مشروعة، أما إذا اختل القصد وفسدت النية والوسيلة فقد انتفت المشروعية، ودخل صاحبها في متاهة مضلة ستتلوها متاهات ومتاهات وهلم جرا.

البحث عن التميز هو حديث نفسي إلي، وحديث نفسك إليك، وحديث نفسه إليه، وحديث النفوس السوية إلى أصحابها.. أما أصحاب النفوس الكسولة البليدة التي رضيت بواقعها وبظروفها وبحياتها ومعاشها فلا تفكر بذلك، ولا ترغب حتى بالخوض فيه.. أما أنا وأنت، وهو ونحن جميعا فإننا لا نزال نفكر ونفكر، طويلا بحثا عن التفوق والتميز والإبداع.

كيف أكون داعيا متميزا، وكيف أكون عالما متميزا، وكيف أكون أو تكون طبيبا أو مهندسا أو معلما أو موظفا أو زوجا أو أبا أو أخا أو صديقا أو جارا.. كيف يكون كل هؤلاء من المميزين؟ كيف نكون كذلك وكيف نصل إليه؟

لقد اختصر أبو الطيب المتنبي الموضوع، ودل الراغبين على طريق الوصول في بيت واحد.. فقال:
لولا المشقة ساد الناس كلهم .. .. الجود يفقر والإقدام قتال

فالفرق بين حياة السيادة والريادة والتميز والإبداع، وبين حياة البساطة والسكون والدعة والخمول هو تحمل المشقة التي لولاها لساد الناس جميعا وتميزوا وظهروا ونبغوا وعلا شأنهم وذكرهم...
مشقة الجود والكرم والسخاء، ونداوة اليد والنفس، مع مشقة الإقدام والشجاعة والبطولة، مع مشقة الصبر والتحمل والمواصلة والمثابرة.. هذه المشقات التي ميزت بين السادة والعبيد، وبين العمالقة والأقزام، وبين أهل الكرم والبخلاء، وبين أهل البطولة والجبناء.

الجود هو مظنة الفقر والحاجة، والإقدام مظنة القتل والموت، ولكن ذلك لا يعني شيئا لمن سمت نفسه للمعالي، وسلك طريق المشقة والصعوبات، يبتغي بذلك أن يحيا سيدا وأن يموت سيدا كريما يصدق فيه قول الشاعر:
لعمرك ما الرزية فقد مال .. .. ولا شاة تموت ولا بعير
ولكن الــرزية فـقــد حـــر .. .. يموت بموته خـلق كـثير

إذا.. فالتميز والتفوق هو اختيار واضح لطريق لا مجال فيه للراحة ولا للموادعة أو الخمول أو السكون، بل هو طريق شاق فيه الجهد كله، وفيه التعب كله، وفيه السهر كله.. فيه لجم النفس والهوى والشيطان بلجام من حديد صلب متين.
التميز مطلب عظيم.. والمطالب العظيمة لا تتحقق بسهولة ويسر؟
وما نيل المطالب بالتمني .. .. ولكن تؤخذ الدنيا غلابا

التميز من جهة أخرى:
تعالوا ـ أحبابي ـ لننظر إلى الموضوع من جهة أخرى، من زاوية أعمق وأصدق وأبلغ.
أليس الوصول إلى الجنة هو الأمنية التي لا تدانيها أمنية، والمطلب الذي لا يعلوه مطلب؟
كيف حدثنا الله عنه؟ يقول الله جل وعلا: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين}. والمعنى: هل تريدون أن تحققوا أمنياتكم دون جهد وجهاد ومشقة وتعب وصبر وتحمل وجلد؟ هل تريدون الجنة وأنتم كما أنتم دون أن يمسكم ما مس الذين من قبلكم.. {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}(البقرة: 214)

أمنية كمال الإيمان:
إننا مسلمون جميعا، ولله الحمد والمنة، ولكن من هو المؤمن منا؟ ومن هو المتميز في إيمانه؟
إن الوصول إلى الإيمان هو التميز الذي تنقطع دونه النفوس، وهو المطلب الذي تهون من أجله التضحيات، وهو الغاية التي تبذل فيها ولها الشهور والأيام والساعات واللحظات. وإن التميز الحقيقي هو التميز في الإيمان.. إن التميز أن تكون مؤمنا حقا يصدق فيك قول الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ}(الأنفال:2، 3)

إن حديث الإيمان أصبح اليوم حديثا مملا ومنفرا ومتعبا عند كثير من الناس.. يقول الناس هذا بألسنتهم، ويقولونه بأفعالهم، ويقولونه بسلوكهم، ويقولونه وهم لا يدرون، وربما أيضا وهم يدرون.. ولكن الحقيقة التي يجب أن نعلمها حيدا أن كل تميز أو إبداع أو تفوق ينقصه إيمان صادق ومؤثر وفاعل وحاكم على التصرفات والأقوال يصبح تميزا دنيويا بحتا، وربما يصير أحيانا مفسدا ومخربا، أو لا أثر له ولا فائدة.

لابد من التساؤل:
إذا كنا نبحث عن التميز في الإيمان فإننا لابد أن نتساءل: أين ديننا؟ أين إيماننا؟ أين هي قلوبنا؟ أين خوفنا من الله، أين بكاؤنا من خشية الله؟..
يجب أن نتساءل: أين الآيات التي حفظناها؟ وأين الأحاديث التي رويناها؟ وأين العلوم التي درسناها؟ أين تلك المعارف ولماذا لا تملأ قلوبنا رقة وخوفا وانكسارا بين يدي الله؟ لماذا أصبحت لا تغير طبعا؟ ولا تغير سلوكا؟ ولا تهذب لسانا؟ ولا تؤدب جارحة؟ ولا تزكي نفسا؟. صدق عبد الله بن مسعود حينما قال: "إنما العلم الخشية".
لقد روى البخاري ومسلم عن أنس قال: [خطَب رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خطبةً ما سمِعتُ مثلَها قَطُّ قال: (لو تَعلَمونَ ما أعلَمُ لضَحِكتُم قليلا ولبَكيتُم كثيرًا). قال: فغطَّى أصحابُ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وجوهَهم لهم خَنينٌ]. يعني من البكاء.. هذا وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. ونحن والله أحوج منهم إلى البكاء وفي أمس الحاجة إليه.

أعني بكثرة السجود
كان ربيعة بن كعب غلاما يصب الماء على النبي صلى الله عليه وسلم لكي يوضئه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: سلني!! فقال ربيعة: أسألك مرافقتك في الجنة.. فقال له عليه الصلاة والسلام: [أعني على نفسك بكثرة السجود].
إنها الحقيقة التي ينبغي الا تغفل أبدا.. إنه لا مجال للتميز، ولا مجال للوصول إلى الغايات إلا بالعمل الدؤوب، أما التخليط والتخبط، أو السير في ركاب الكسالى والخاملين والغافلين والباردين فإنه لن يحقق أبدا أمنية، ولن يحقق تفوقا، ولن يخلق تميزا، ولن يوصل إلى غاية...
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
ـ التميز في القرآن والسنة
ـ خطبة لإبراهيم الحارثي

février 13, 2015

الشهوة الجنسية.. صخرة في سفح جبل

أكثر ما يقلقكم معاشر الشبان والفتيات, هو تلك الغريزة الجنسية التي ركبها الله - تعالى - في النفس البشرية بغية استمرار النوع الإنساني. 

وأنا لا أريد الخوض الواسع في هذه المسألة, لكن أحب أن أحذر بقوة وبشدة من ارتكاب الأخطاء في التعامل مع هذه الطاقة الكامنة, والتي هي أشبه بــــ ( البنزين ), حيث إنه يظل طاقة نافعة ما دمنا نستخدمه بالطريقة الصحيحة, فإذا قربناه من النار تحول إلى قوة مدمرة, قد تحرق حياً بأكمله !..

أحد الحكماء شبه الطاقة الجنسية بصخرة عظيمة في سفح جبل شاهق, فإنها قد تمكث قروناً على تلك الحال, فإذا جاء من يحركها, فإنها قد تتدحرج, وإذا تدحرجت, فلن تستطيع أي قوة بشرية إيقافها.

إن الذي يحرك الشهوة لدى الفتيان والفتيات محصور في عدد من الأمور, من أهمها:
- التفكير في أمر الجنس واستخدام الخيال في ذلك, ولهذا فإن الفراغ والتمحور حول الذات من الأسباب القوية لتحريك الغريزة الجنسية.
- مشاهدة المناظر الفاضحة ونظر الرجال إلى النساء والنساء إلى الرجال, وكذلك الاختلاط بين الجنسين.

- حضور المجالس التي تثار فيها المسائل الجنسية.

- مصاحبة بعض التافهين والمنحرفين والمنحرفات الذين ليس لديهم همة نحو أي شيء سامٍ أو مهم.

ما الذي يعنيه هذا بالنسبة إلى أبنائي وبناتي؟
إنه يعني الآتي:
1- ليشتغل كل واحد منكم بشيء نافع ومفيد, وليحاول استهلاك طاقته فيه, وإن الرياضة مما يستهلك الطاقة الجسمية, وينفع في تخفيف الضغط الغريزي.
2- الزواج المبكر فضيلة عظمى لمن قدر عليه, وهو حصن حصين - بإذن الله - وإن على الشباب والشابات التخطيط له بجدية, كما أن على المجتمع أن يُيسر أسبابه.
3- تعزيز الجانب الروحي لدى كل واحد منكم, يعد شيئاً أساسياً في هذا الشأن, فقد أوصى صلى الله عليه وسلم الشباب بالصيام كما هو معروف, وإن المواجهة الرئيسية للتيار الشهواني الجارف يجب أن تتم بإنشاء تيار روحي قوي وشامل وملتزم بآداب الشريعة.
4- صحبة الصالحين والأخيار أهل القلوب النقية والهمم العالية.
5- الابتعاد عن المجالس والأماكن التي يُتَحدث فيها عن الجنس.
6- غض البصر والبعد عن الاختلاط بالجنس الآخر على قدر الوسع والطاقة.
7- ليفكر كل واحد منكم مئة مرة قبل أن يخطو خطوة خاطئة, تترك في حياته أسوأ الآثار, وفي نفسه أسوأ الذكريات.

février 13, 2015

الفتاة المراهقة.. ودور ضروري للأسرة

قضية البنت المراهقة في مجتمعنا اليوم، الذي يواجه هجمة قوية من المتغيرات الاجتماعية بسبب الانفتاح الثقافي والتطور الهائل في وسائل التقنية.

وتعد هذه القضية أشد حساسية من قضية المراهق الذكر خاصة وأن هناك دراسات توصلت إلى وجود فجوة في علاقة البنت المراهقة بأمها، وأن أساليب التنشئة الاجتماعية المطبقة داخل بيوتنا تعتمد على التسلط والتوجيه دون وجود حوار حقيقي داخل المنزل، وأن الاهتمام بالأبناء الذكور أكثر من الإناث؛ مما ينعكس بدوره على التنشئة السوية للأبناء من الذكور والإناث.. لذلك نجد الفتاة المراهقة تلجأ لأشخاص من خارج الأسرة لطلب المعلومة أو النصح أو الإرشاد، ولا يخفى ما في هذا من الخطر الشديد.

والملاحظة التي لا تخفى أن كثيرا من الاتصالات التي تتلقاها القنوات الفضائية تأتي من الإناث لطلب النصح والتوجيه، والقريب من مؤسسات التوجيه والإرشاد الأسري يلحظ أيضا أن كثيرا من طالبات الاستشارة أو الإرشاد هن من الإناث أيضا وصغيرات السن..

بل قد تلجأ البنت في بعض البيوت والبلدان إلى الخادمة في المنزل!! ولنا أن نتخيل ما المعلومة التي ستعطيها الخادمة للبنت المراهقة ـ خاصة في الأمور المتعلقة بالتغير البيولوجي الذي ستواجهه فجأة؟!!
هذه الفجوة التي أنشأها طرفا العلاقة أو البيئة الأسرية التي تعيشها البنت.

هناك في بعض البيوت حساسية شديدة جدا في أكثر الأحيان في علاقة البنت بأمها ويجب على الأمهات الانتباه لذلك وإدراكه والعمل على مد جسور العلاقة الإيجابية مع بناتهن لضمان لجوء البنات لهن عند طلب الإرشاد والنصح. كما أن في إهمال المراهقة آثارا وخيمة على شخصية الفتاة المراهقة من حيث تشكل مكونات الشخصية الأساسية؛ لذلك يجب أن تكون المتابعة قريبة ومرنة دون أن تعني التلصص أو إعطاء الحرية الكاملة.. بل يجب أن يكون التوسط والديمقراطية في الحوار والحرية المقيدة هما الأسلوب الأمثل في التعامل مع حالات المراهقة.

ولابد من التنبيه على ضرورة وجود الأب في العملية التربوية فأن مشاركة الأب بمنطقه وتعلق البنت به من الأمور المستحبة؛ فكلنا يعرف حب البنت لوالدها وتعلقها به. ويزداد هذا التعلق في سن المراهقة.. لذلك من المهم قرب الأب من ابنته للإسهام مع أمها في تخطي ابنتهما لهذه المرحلة.
وفي تصوري فإن هناك ضرورة لإيجاد برامج للتوعية والتوجيه والاستشارة النيرة التي تنفع الأسر، كما وأني أنصح بتنظيم الدورات التأهيلية حول إدارة الحياة الأسرية ومهارات التعامل مع الأبناء والبنات خصوصا في مثل هذا السن وتلك المرحلة الهامة في حياة الأسرة جميعها.
ومن المؤسف أن الواقع لدينا لم يصل للمستوى الذي يكون فيه تواصل بين الأسرة وبين مراكز التوجيه والإرشاد الأسري المتخصصة.. فكثير من قضايا الأسرة ومشكلاتها يمكن حلها بتوجيه بسيط من قبل مختص يجيد فنون التعامل مع مثل تلك المشكلات.

لقد أصبح وجود مراهقة في المنزل واحدة من أكثر المشكلات تعقيدا عند بعض الناس لأنه لم يتوفر لدى الأسرة مهارة التعامل مع من يدخل هذه المرحلة من بناتها؛ لذلك أرى أن موضوع التعامل مع المراهقة من منظور أنها مرحلة متغيرة يجب ألا تكتفي فيه الأم والأب بعرض تجربتهما الشخصية في هذه المرحلة لنقلها لبناتهما. فالظروف والأوضاع قد تغيرت كثيرا، ولذا فإن التزود بالمعلومة مهم جدا والتعامل مع جهات ذات اختصاص وخبرة بات أمرا ضروريا..
كما أن قضية التعامل مع المراهقة تحتاج مساندة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية وبالأخص مؤسسات الأسرة والمدرسة، ويجب أن يكون هناك تلاق في التوجيهات والوصايا المطلوب إرسالها للفتاة في هذه المرحلة؛ حتى لا تحدث الهوة بين المؤسستين وتبقى الفتاة هي الضحية لهذا الاضطراب والاختلاف في الرسائل الموجهة لها، بل على العكس يجب أن يكون هناك تساند معرفي وإرشادي بين المؤسسات التربوية المختلفة لضمان حسن التوجيه..

كان من المفترض أن تضطلع وسائل الإعلام والاتصال بدورها وأن تتحمل مسؤوليات كبرى في التعبئة والتوجيه المجتمعي لما فيه صلاح الأسرة.. ولكن للأسف فالواقع يقول غير ذلك تماما.. والقارئ والمتابع يدرك جيدا الدور السلبي الذي تقوم به بعض ـ أو أكثر ـ وسائل الإعلام في النخر في جسد الحياة الاجتماعية وإشغال الناس بالكثير مما تخشى عاقبته وبما يعود بالسلب على العملية التربوية والتنشئة على شبابنا وبناتنا. فالله تعالى المستعان.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
د.عبدالعزيز الغريب (الأسرة:154)

février 13, 2015

حصِّنوا أنفسكم من الخوف

نحن لا نرى إلا جزءاً من الواقع وتفاعلاته, كما أن المصادر التي يمكن أن تأتينا منها الأخطار والمنغصات كثيرة, وإن حاجة الإنسان إلى الأمن والطمأنينة والسلام, لا تقل عن حاجته إلى الأكل والشرب, فكيف يمكن لأبنائي وبناتي أن يشعروا بالأمن, ويطردوا عن أنفسهم الخوف والقلق المزعج والمعوق؟

لعلي ألخص ذلك عبر المفردات الآتية:
- يخبرنا الله - تعالى - في العديد من الآيات أن الإيمان والعمل الصالح يوفران المظلة الأمنية التي نحتاج إليها في الدنيا والآخرة, حيث يقول - عز وجل: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ), ويقول - سبحانه -: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نزُلا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ). وقال - عز وجل -: (الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ).

وإن عمل السيئات مدعاة إلى سلب الأمن, كما قال – سبحانه: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ).

إن الشرك بالله تعالى، وعقوق الوالدين، والبغي، وظلم الناس هي أكبر مصادر التهديد لأمن الواحد منا؛ وإن الإيمان، والإحسان إلى الخلق، والصدقة، والعدل هي أوسع أبواب الأمان والسكينة والرحمة, فاحرصوا على أن تبددوا الخوف بالطاعة والاستقامة على أمر الله تعالى.

تنبيهات:
1 ـ يظل قدر من الخوف من الهزيمة والإخفاق شيئاً جيداً ما دام يولد لديكم الشعور بالمسؤولية, ويحفزكم على العمل والإتقان والمثابرة, فإذا صار عبارة عن هم ليس أكثر صار شيئاً سيئاً ومؤذياً, فهل هذا واضح؟

2 ـ لننظر إلى الحياة الدنيا على أنها ليست داراً للهناء التام والنجاح المستمر والعافية الدائمة.. إن فيها المسرات والمكدرات بأنواعها, وإن علينا أن لا نشغل بالنا بما يمكن أن يحدث لنا من مصائب وكربات, فإن هذا من الإخفاق في إدارة المشاعر, ومن باب استعجال الخوف من غير أي مسوغ.

3 ـ تذكروا دائما أن الله - تعالى - ينزل من المعونة والصبر على مقدار ما ينزل من الشدة والبلاء, ولهذا فلنفوض أمورنا إلى الله, وسنكتشف أنه لا داعي للجزع مما يحدث في المستقبل.

4 ـ لزوم الحق والصواب والابتعاد عن الكذب والغش والخداع والتقصير في أداء الواجبات المختلفة... من الأمور الضرورية للشعور بالأمن والتخلص من الخوف.

5 ـ الغموض والشك والخرافة والجهل مصادر مهمة للخوف, ووقاية النفس منها تكون عن طريق العلم والمعرفة والفهم والحرص على الوضوح.

6 ـ عودوا أنفسكم الدخول في شيء من المجازفات ذات المخاطر القليلة ؛ لأن ذلك يؤكد لديكم الثقة بالنفس, ويطرد المخاوف التي تتولد من الركود وحشر النفس في الزاوية الضيقة, وما أجمل قول أحدهم: "إن الجبناء يموتون مرات عديدة قبل موتهم الحقيقي, والشجاع لا يذوق طعم الموت إلا مرة واحدة".
  

février 13, 2015

الخوف من المجهول


ذات يوم استعد سائق الباص للانطلاق مؤدياً عمله اليومي. وبينما هو في طريقه توقف في إحدى المحطات حيث ركب الحافلة شخص ضخم الجثة ونظر للسائق وقال له: «جوني الكبير لا يدفع». ولأن السائق كان ضعيفاً نحيل الجسم لم يحاول مراجعته فيما قال، وفضل الصمت.

المشكلة أن هذا الموقف أخذ يتكرر يوماً بعد يوم، فلا «جوني الكبير» دفع يوماً، ولا السائق حاول أن يطالبه بالأجرة.
قرر السائق فجأة أن يستعد لمواجهة الراكب الطفيلي، فذهب إلى أحد الأندية وطلب أن يتعلم بعض فنون الدفاع عن النفس لكي يواجه زبونه العملاق. بعد أشهر عدة، وبينما السائق يمر بالمحطة صعد «جوني» إلى الباص وقال كلمته المعتادة: «جوني الكبير لا يدفع».

عندها التفت إليه السائق وهو يستعد لمعركة حامية وقال: (ولماذا لا يدفع جوني الكبير؟). توقف «جوني» فجأة وقال له: ( لأن جوني الكبير لديه اشتراك سنوي ).
هكذا دائماً يدخلنا الخوف من المجهول في أوهام ننقاد إليها وفي النهاية نكتشف أننا على النقيض تماماً من الصواب.

يقول أبو حامد الغزالي في التعريف والتمييز بين الخوف الموضوعي (الطبيعي)، والمرضي (العصابي): " الخوف تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل".
وقسمه رحمه الله إلى قسمين:
( الخوف العادي ): وهو خوف من الله تعالى، وله مقامان؛ أحدهما: الخوف من عذابه، والثاني: الخوف منه .. فالمقام الأول: خوف عموم الخلق، والمقام الثاني: خشية العلماء.
والحاصل أنه خوف من الأشياء الموضوعية التي يكمن الخطر فيها، وهو صفة حميدة لتحقيق العمل الصالح وحفظ الحياة.
( الخوف المفرط ): وهو خوف زائد مذموم. يخرج الإنسان إلى اليأس والقنوط، ويمنعه من العمل، ويسبب له المرض، والضعف، والوله والدهشة، وزوال العقل، وأحياناً يؤدي به إلى الموت، وهو مذموم؛ لأنه معوق، وسبب للقنوط والجزع، والشعور بالعجز والاستسلام للهم.

إذا فالخوف عموما فطرة في النفس، ولا يخلو منه إنسان في أي وقت من الأوقات، بل هو قوة طبيعية لازمة للمحافظة على بقاء النوع الإنساني. وبالتالي فهو موروث من جانب، ولا أمل في اقتلاعه من جانب آخر، وإنما يراعي فيه حسن التوجيه، ولهذا كان للبيت والمجتمع والخبرات الفردية المكتسبة أثرها في التخفيف من عبء هذه الفطرة أو زيادتها، مما يجعلنا نجزم بأن الخوف ( عملية نسبية ) يتفاوت الناس فيها تبعا للعوامل البيئية والجسمية والنفسية التي يمر بها الإنسان.

والخوف من المجهول هو خوف غير مبرر، وهو يعمل على فقدان الثقة بالنفس، وهو المسئول عن إبقائنا في الظل، وهو الذي يوقفنا في أماكننا لأزمنة طويلة وعلى عدة مستويات .. يوسوس لنا أننا لن نستطيع تحقيق أحلامنا، يخبرنا أن نبقى صامتين، ويكبح جماح رغباتنا في التعبير عن أنفسنا بحرية ودون خجل.

إننا نحتاج للابتهاج بالحياة إلى شيئين هامين:
أولهما ( تنظيم الحياة في أنفسنا وفي مَنْ حولنا )؛ فالبيت إذا نُظِّم - أعني نُظِّمت ميزانيتُه، ونظمت حياةُ صغاره وكباره، ونظمت العلاقة بين الزوجين، وبينهما وبين الأولاد - كان أهله أقربَ إلى الابتهاج بالحياة. والموظف إذا نظمت مصلحته، أعني حسنت علاقته بينه وبين رؤسائه ومرؤوسيه كان أهدأَ بالاً، وأسعدَ حالاً .. وكذلك كل ما يتعلق بالإنسان من شؤون إذا نظمت كانت مبعث سعادة وابتهاج.

والأمر الثاني ( الشجاعة )؛ فكثيراً ما يكون سبب الحزن فقدان الشجاعة، يخاف الإنسان من الموت، ويخاف من الفقر، ويخاف أن تنزل به كارثة، ويخاف من المستقبل، ويخاف أن يفشل في عمله؛ فهذا الخوف كله ينغص عليه حياته، ويجعله منقبضاً غير مبتهج.
إن الخوف من المجهول هو لب المتاعب، ومن الحكمة والعقل ألا يجمع الإنسان على نفسه بين الألم بتوقع الشر، والألم بحصول الشر؛ فليسعد ما دامت أسباب الحزن بعيدة عنه، فإذا حدثت - لا قدر الله - فليقابلها بشجاعة واعتدال وصبر، ومن يخشى مصائب الحياة فليتق إذن أسبابها ما استطاع ويفوض أمره إلى الله تعالى بعد ذلك، وليطرح عنه أثقال الخوف، وليتمسك بعقيدة القضاء والقدر فإنها أساس كل خير، قال تعالى: {وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [يونس:107]، فإذا ما ملأ المؤمن قلبه بالتوكل على الله لم يبق للجزع في قلبه موضعًا، ولا للاضطراب في نفسه مكانًا، بل تراه ثابت الجنان، واثق الخطى، يعمل للدنيا كأنه سيعيش أبدا، ويعمل للآخرة كأنه سيموت غدا.
وما الحياة إلا مرحلة عابرة لا تستحق أن ينغص الإنسان نفسه فيها بكثرة الألم، ولا شك أن الهم والاستسلام للحزن، والخوف من توقع المكروه، والإفراط في تقدير الآلام .. مما يضعف الحياة، ويضعف الإنتاج، ويزيد الآلام والبؤس والشقاء؛ فحارب الكآبة في نفسك وابتسم للحياة، وابتهج بها في غير إسراف تزد حياتك قوة، وتشعر بالسعادة، وتُشعر بها من حولك.

من روائع الحكمة
- من النعم أن يكون في حياتك رصيد من التجارب التي في غالب الأحيان لا تتوافر إلا باقتحام المجهول.
- الخوف من أي محاولة جديدة طريق حتمي للفشل.
- لن تستطيع أن تمنع طيور الهم أن تحلق فوق رأسك، لكنك تستطيع أن تمنعها أن تعشش في رأسك.
- فكر دائما فيما يسعدك، وابتعد دائما عما يقلقك.
- أن تكون فرداً في جماعة الأسود خير لك من أن تكون قائداً للنعام.
- لا تجعل قطرات المطر في الصباح الباكر توقعك في تفكير طويل: هل ستذهب للعمل أم لا.
- الخوف من المجهول لا يبدو برجفة في الأطراف وجفافاً في الحلق، ولكنه يمارس دوره السلبي علينا لفترات طويلة من حياتنا بهدوء وصمت لا نعلم به.
- الإيمان يذهب الهموم، ويزيل الغموم، وهو قرة عين الموحدين، وسلوة العابدين .

février 13, 2015

التردد.. الآفة الخفية

التردد ينتج من ضعف الثقة بالنفس، وقد يمتزج برغبة قاهرة في الكمال أو التجويد المستحيل، والمتردد يسعى إلى الأفضل، ولكنه يؤخر حسم الاختيار، أو يتذبذب فيه، وفي اللحظة التي يجب أن يتخذ فيها قراراً حاسما نراه يلجأ للتراجع والتسويف والمماطلة على أمل أن يتاح له خيار آخر، وقد يلوم نفسه بعد اختياره دونما سبب واضح أو معقول.

التردد ليس كله شرا، بل إن درجة منه ربما تكون مفيدة لإعطاء فرصة للتفكير في الاحتمالات المختلفة والعواقب المتوقعة، ودراسة البدائل المتاحة، ورؤية الموضوع من أكثر من جانب، وربما يتبع ذلك استشارة ذوى الرأي. وفي بعض الأحيان نفعل كل هذا ثم نجد أنفسنا مازلنا في حيرة من أمرنا لأن هناك جوانب في الموضوع مازالت خافية عنا وبالتالي تقلقنا.

الشخصية المترددة
شخص متقلب في رأيه، لا يعرف ماذا يريد تحديدا، غير حازم في قراراته، لا يثبت علي منهج أو طريقة، يقبل الرأي ثم سرعان ما يقتنع بضده، ضعيف الثقة بنفسه، دوما خجول وقلق، يتسم بالزهد في المهمات الكبيرة، ويقنع بالأعمال البسيطة والمشاريع قليلة الأهمية.

وأصحاب هذه الشخصية ربما يعيشونَ في عالمٍ مرعبٍ من المثاليات والقواعد التي تدفعهم في كثيرٍ من الأحيان إلى الإحجام عن التجربة أو عن تعلم الجديد، فهم لا يستطيعونَ تحملَ الخطأ لأنهم يجبُ ألا يخطئوا.

أيضا صاحب الشخصية المترددة: يضيع وسط البدائل العديدة، يميل إلى الاعتماد على اللوائح والأنظمة، كثير الوعود ولا يهتم بالوقت، يطلب المزيد من المعلومات والتأكيدات، يرى نفسه أنه ليس بخير.

هذا النمط من الشخصية يحتاج إلي التعامل معه بقدر من الحكمة من خلال الثناء علي آرائه لدعم ثقته بنفسه، والتخفيف من درجة القلق والخجل بأسلوب «الوالدية الراعية»، كما أنه يحتاج إلي وعي من جانب المتعامل معه، والذي يقع علي عاتقه دائما محاولة تقديم مجموعة من الاقتراحات والخيارات حتى يسهل عليه عملية اتخاذ القرار.

الطريق من هنا
• حياة كل منا هي عبارة عن مجموعة قرارات اتخذناها، بعضها تدفعنا إلى الأمام وبعضها تجرنا إلى الخلف، لذلك يجب أن نتأنى في اتخاذ هذه القرارات ونفكر ونتأمل ونستشير، وفى ذات الوقت نستعين بالله ذي العلم الواسع الشامل، فأسأل الله تعالى دوما التوفيق والثبات، وقدم الاستخارة في كل أمورك.

• الإنسان مجموعة من الرغبات والآمال وتطلع نحو حياة أفضل، وخلال تحقيق تلك الأمنيات يكون هناك إرهاصات من الخوف والرجاء.. الخوف تصاحبه حالات من القلق والتوتر والتردد والإحباط واليأس وعدم الثقة في النفس.. هذه الانفعالات النفسية ما هي إلا معوقات تؤثر في قراراتنا وتحديد مصيرنا، وتفويت الفرص الذهبية التي تمر بنا وقد لا تتكرر.. فالإنسان الذي يتيح لهذه انفعالات أن تتحكم في حياته لاشك أنه يفتقر إلى استقلال الشخصية، ويجعل من نفسه شخصية مذبذبة تنعدم لديها روح المبادرة والإبداع.

• الذي يغلب جانب الرجاء والتفاؤل بالمستقبل وحسن العاقبة، ستكون قراراته حاسمة وقوية وسوف يتعزز لديه الجانب الايجابي من حياته، وإذا نجح في تحقيق أهدافه فسيكون ذلك دافعا لنجاحات أخرى في المستقبل، ولو فشل في تحقيق أهدافه قد يحبط بعض الوقت، ولكنه يملك مقومات الخروج من الأزمة سريعا.

• إذا كنت تتردد في كل موقف يقابلك، فاسأل نفسك هذه الأسئلة: لماذا التردد؟ وهل لديك خبرات أو معلومات تغنيك عن التردد، أم أنه التردد فقط لعدم الإلمام بالموضوع؟ وهل هو خوف من تحمل المسئولية وحدك نتيجة اختيارك وقرارك؟ .. بإجابتك عن هذه الأسئلة تستطيع أن تعرف نقطة الضعف لديك، وتبدأ منها للتغلب على التردد.

• هناك قرارات هامة في حياة كل إنسان مثل: الالتحاق بكلية معينة، اختيار العمل، الخطبة والزواج.. فلابد من أن يكون هناك وقت كاف ودراسة شاملة قبل اتخاذ القرار بشأنها، فالتسرع من أخطر الأمور التي تكتنف هذه القرارات المصيرية.

• أنت تحتاج إلى التقليل من الاهتمام برأي الناس، فليس من المعقول أن يكون الناس أمة واحدة في أذواقهم، ونظرتهم للأمور، وليس من المعقول أن نكون متأثرين برأي كل من هب ودب .. ضع كل آراء الآخرين في اعتبارك، وليكن اتخاذ القرار النهائي لك وحدك، وباقتناع تام دون ضغط من أحد.

• تعلم من تجاربك السابقة في الاختيار، واستمع للنقد البناء وتفهم مبرراته؛ لتحسين أدائك في المرات القادمة، وليس من أجل تدعيم لومك لذاتك على ما مضى، وبالتدريج ستزداد ثقتك بنفسك.

• أجمع المعلومات الكاملة والصحيحة عن الموضوع الذي يحتاج إلى اتخاذ قرار فيه، لأن محاولة اتخاذ القرار مع نقص المعلومات أو مع عدم صحتها، سيؤدي إلى اتخاذ قرار خاطئ، وبالتالي ستكون النتائج كارثية.

• اطلع بقدر ما تستطيع على ثقافات متعددة، وزد حصيلتك بالقراءة واكتساب المعرفة والمعلومات، فكل هذه المعارف تساعدك على طرح التردد، وعلى الكلام والتحدث بثقة.
• عنصر الزمن عنصر هام في الحياة، وبالتالي هناك أشياء تحتاج للحسم في توقيتات مناسبة، فإذا تركنا أنفسنا للتردد بلا ضابط فإننا سنضيع فرصا كثيرة، ونشعر ببطء إيقاع الحياة، وبأننا مكبلين بحبال الخوف والقلق. والتردد بهذه الدرجة المعوقة هو علامة اهتزاز ثقتنا بأنفسنا وبالآخرين.

• لا تلُم أو تبكِّت نفسك بقسوة إذا ضاعت منك فرصة بسبب ترددك، فكل إنسان مهما كان خبرته أو درجة تعليمه، يحتاج إلى التدريب على اكتساب المزيد من المعرفة والثقة بالنفس. وتذكر أنه لا يوجد إنسان لم يُضع بعض الفرص بسبب تردده، فالإنسان يتعلم دائماً من أخطائه حتى يتغلب عليها، كما يتعلم أيضاً من أخطاء الآخرين.

• من المفيد أن تتعلم مهارة اتخاذ القرارات، فهي مهارة حياتية غاية في الأهمية.. تعوّد على تحمل المسئولية، وابدأ بالمسئوليات الصغيرة، أو البسيطة، واطلب ممن حولك أن يسندوا إليك بعض المسئوليات، حتى تستطيع التدريب على تحملها. وبإحراز النجاح والتشجيع ممن حولك، تكون قد خطوت خطوة نحو الثقة وعدم التردد.

février 13, 2015

تريد أن تتزوج ؟.. لحظة من فضلك!!

الزواج سنة كونية، وشريعة ربانية، وهو سنة الأنبياء، وطريق الأنقياء الأتقياء. يحفظ الله به الدين ويصون المؤمنين، ويقرب من رب العالمين.. يغض المرء به بصره، ويحفظ فرجه، ويحمي دينه ويصون مروءته وخلقه، ويقيم به أسرة تكون لبنة صالحة في بناء المجتمع ، ويرزق به نسلا يباهي بهم النبي الأمم يوم القيامة... لكن..

قبل أن يكون الزواج غلطة، أو ورطة، أو يتسبب لك في الإصابة بجلطة لابد أن تقف قليلا لتتخير من تتوفر فيها المؤهلات التي تحقق لك كل ما ذكرناه آنفا.. فليست كل امرأة ولو كانت جميلة أو غنية أو عاملة أو حسيبة نسيبة قادرة على القيام بهذه المهمة الخطيرة أو هذه السلسلة من المهام الهائلة... وكذلك ليس كل رجل.
والحل؟؟!!
الحل هو أن تتوقف كثيرا ـ لا قليلا ـ لاختيار من تصلح لك، لتكون زوجة واعية، وأما مربية، وصديقة ودودة، ورفيقة درب في الحياة أولا ثم في الجنة بعد الوفاة إن شاء الله.
إن اختيار شريك الحياة أو شريكة الحياة من أهم خطوات الزواج، إن لم يكن أهمها على الإطلاق ـ كما أعتقد أنا ـ وهذا الاختيار يحتاج إلى تحقيق وتدقيق وتأن وعدم تعجل، فالتسرع في هذا الباب يجر ويلا وويلات، بل هو أول أسباب انحلال الحياة الزوجية، وتنغيص الحياة الأسرية. وكم من شاب سارع بالزواج لأنه سحره جمالها وحسن قوامها؛ فوقع بعد الزواج على أم رأسه وقاسى الويلات وذاق المرارات، وقل مثل هذا في المتسرعات من الشابات أيضا.

قواعد للاختيار
يقول الله تعالى في سورة النور: {وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم}(النور:32)، وقد روى الترمذي عن سيدنا النبي قوله: [إذا خطب إليكم من ترضون دينه خلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض].
يقول العلماء: أكد الشارع أن الكفاءة في الزواج أصلها الصلاح وهو أهم عنصر في الاختيار، ولئن كان النسب والغنى والمستوى العلمي وغير ذلك من الأمور معتبرة، إلا أن صلاح الزوجين والتزامهما بتعاليم الدين وآدابه واوامره يذيب كل تلك الفوارق ويجمع بين الزوجين على خير وفضيلة.

وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم بنت عمته زينب لزيد بن حارثة مولاه، وزوج عبد الرحمن بن عوف أخته من بلال الحبشي، وزوج أبو حذيفة سالما من هند وهو مولى لامرأة من الأنصار، وعندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم قالوا: يارسول الله نزوج بناتنا من الموالي؟ فنزلت: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}(الحجرات:13).

وفي الحديث السابق حض لأولياء المرأة أن يقبلوا لبناتهم ذوي الخلق والدين، وفيه أن المعتبر في الكفاءة في المقام الأول هو الدين وحسن الخلق؛ وفيه أيضا أن رد الصالحين فتنه وفساد.. وهو كذلك من ناحيتين:
الأولى: أن رد هؤلاء وعدم تزويجهم يعرضهم لوساوس الشيطان، ويفسد عليهم قلوبهم ويشوش عليه عبادتهم، وربما عرضهم للوقوع في المحظورات، وهذا فساد لدينهم ودنياهم.

الثانية: أن عدم تزويج الصالحين قد يؤدي إلى تزويج غير الصالحين، وفي هذا فساد لدين المرأة إن كانت دينة أو تضييع لحقوقها، فإن مثل هذا لا يعرف دينا يعلمه لزوجته، ولا يعرف لها حقا ولا يحفظ لها مكانتها التي حفظها الدين، بل ربما ظلمها وضيق عليها في دينها ودنياها.. ولذلك قال بعضهم حين سئل لمن أزوج ابنتي؟ قال: "زوجها من صاحب الدين والتقوى؛ فإنه إن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها".
وهذا هو ما دل عليه حديث الصحيحين: [تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها.. فاظفر بذات الدين تربت يداك](رواه البخاري ومسلم).
وفي الحديث ما يدل على أن هذه الأمور قد تكون مقصودة في الزواج وهذا لا حرج فيه، ولكن بين الحديث أنه ينبغي ألا تكون هي أساس الاختيار، وإنما رغب أن يكون أصل الاختيار هو الدين، فإن اجتمع معه الجمال فبها ونعمت، وإن اجتمعت لك كل هذه الصفات في زوجة، أو اجتمعت لك أيتها المسلمة في زوج، فما أهنأكم وما أسعدكم حينها.
نكاح غير المسلمات:
أما نكاح المشركات والملحدات ومن لا دين لهن (وكذلك المشرك والملحد) فنكاحهن ونكاحهم حرام وباطل؛ إذ كيف تجتمع مثل هذه مع من عقيدته عقيدة التوحيد؟! لا يمكن أبدا.. وما يقال للرجال في هذا يقال أيضا للمقبلات على الزواج من النساء. قال تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه}(البقرة:221).
وأما الكتابيات (من اليهود والنصارى) فنكاحهن وإن كان جائزا شرعا للرجال المسلمين، فإن بعض الصحابة كان لا يراه كابن عمر رضي الله عنه وعن أبيه، وقول الجمهور على خلافه. والكل مجمع على حرمة زواج المسلمة من يهودي أو نصراني..
وكذا منع ابن عباس من نكاح الحربيات واستدل بقوله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}(المجادلة:22).
والحق أن مثل هذا الأمر (أعني زواج الشاب المسلم من كتابية) متوقف على المصلحة والمفسدة، خاصة في زماننا؛ فإن كثيرا من الأزواج ـ بل معظمهم ـ لم يعد يعرف دينه، ولا عنده الاستعداد لدعوة زوجته للإسلام، ولا تعليم أولاده وتربيتهم .. فيخرج الأولاد في الغالب على دين أمهم، تربيهم عليه، بل وربما خرج الرجل أيضا من دينه إرضاء لزوجته واتباعا لأهوائه، وانسياقا وراء شهوته.. والله المستعان.

وهنا تستخدم قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، خصوصا وجانب المفسدة يكاد أن يكون محققا وجانب المصلحة بعيد جدا لا يكاد يرى بالعين المجردة.

إنها وقفة مهمة، لما يترتب عليها وما يتأتي بعدها ، وكثيرا ما تهاون في هذا الاختيار أناس فعضوا أنامل الندم، ولكن "ولات حين مندم".
اللهم زوج أبناءنا وبناتنا أزواجا صالحين وزوجات صالحات، وأسعدهم جميعا في الدنيا والآخرة.

février 13, 2015

الزواج أثناء الدراسة.. الطموح السامي

هناك طموح مشترك وعظيم لدى الشباب المسلمين والشابات المسلمات، وهو إقامة أسرة ملتزمة ومتحابة وناجحة، وهذا الطموح السامي نابع من طبيعة تكوين كل من الرجل والمرأة؛ حيث إننا حين ننظر في ملامح تكوين كل منهما نجد أن الرجل خلق ليعيش في جوار المرأة، كما أن المرأة خلقت لتعيش في جوار الرجل؛ إذ إن كل واحد منهما محتاج حاجة شديدة إلى الآخر، كما أن كلا منهما يوفر للآخر من الأنس والأمان والرعاية ما يجعل حياته هانئة وسعيدة.

أنا أشعر أن الشاب المعرض عن الزواج أو غير المهتم به، وأن الفتاة التي لا تطمح إلى أن تكون ربة بيت وأما صالحة.. أن ذلك وتلك سيظلان ناقصي الشخصية، حتى إني أكاد أقول: إن الإنسان يكتسب شخصية جديدة بعد الزواج؛ وذلك بسبب نمو بعض المشاعر والمفاهيم لديه من خلال تغير نظرته للحياة.
لاحظوا ما لدى آبائكم وأمهاتكم من الشعور بالمسؤولية تجاه بعضهم وتجاه الأسرة، ولاحظوا روح التضحية والإيثار والاحتمال وروح المسايرة والتفاوض والتنازل والتكافل والتعاون والتراحم والتعاطف المتبادل... إن كل هذه المعاني تكون لدى الآباء والأمهات أكثر اكتمالا وحيوية منها لدى الرجال والنساء غير المتزوجين وغير المتزوجات.
شيئان مهمان:
وعلينا ألا ننسى هنا شيئين مهمين جدا هما:
الأول: تحصين النفس من الانحراف، وإعفاف العين عن النظر إلى الحرام، وكلكم يعرف قوله صلى الله عليه وسلم: [يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء] (متفق عليه).
إن هذه دعوة صريحة إلى الحرص على الزواج وإلى الحرص على التبكير فيه، وأي شيء أجمل من أن ينجب الإنسان أولاده وهو شاب، فيستمتع بهم، ويستمتعون به مدة طويلة من الزمان ـ بإذن الله ـ كما أن الأبوين الشابين يكونان أقدر على فهم مشاعر أبنائهما واحتياجاتهم وأقدر على تربيتهم وتعليمهم.

الثاني: إشباع عاطفة الأبوة والأمومة التي فطر الله تعالى عليها الرجال والنساء، وهذه من بركات الزواج.

إن الأطفال هم بهجة الحياة، وبهم ينسأ الله في آمال الإنسان ويمد في نظرته للمستقبل، كما أن الصالحين منهم يضيفون باستمرار الحسنات إلى رصيد آبائهم وأمهاتهم والذين كانوا السبب في وجودهم وصلاحهم.
مقومات بناء أسرة متميزة
قد تقولون: ما الذي علينا أن نفعله حتى نتهيأ لبناء أسرة متدينة ومتحابة ومتميزة؟

أقول : إن هذا الأمر يتطلب العديد من الأمور وأهمها ثلاثة:
1 ـ إدخال مسألة الزواج وبناء الأسرة في الخطط المستقبلية للشباب والفتيات، وهذا يعني أن عليهم وهم يفكرون بدراستهم أن يتساءلوا: متى سيكون الزواج؟ وهل يمكن التوفيق بين الدراسة والزواج؟ وكيف يتم ذلك؟ أو أن الزواج يكون بعد الانتهاء من الدراسة؟

وهذه المسألة مهمة جدا بالنسبة إلى الفتيات، حيث إن الواحدة منهن قد تختار تخصصا يحتاج الفراغ منه إلى وقت طويل، وقد تلتحق بالدراسات العليا ولا تفرغ منها إلا وقد تجاوزت الثلاثين، وهذا يجعل الخيارات أمامها محدودة. مما يضطرها إلى أن توافق على زوج ليس هو الزوج الذي تستحقه، وحسب خبرتي الخاصة فإنه إذا توفر المال فإن الزواج لا يعيق عن التحصيل العلمي الجيد، ولا سيما إذا تم تنظيم الوقت على نحو حسن.

وينبغي على الفتاة إذا حصلت على الثانوية أن تعطي الأولوية للزواج عند عدم إمكانية الجمع بين الدراسة والزواج وسيكون في إمكانها أن تدرس منتسبة أو في جامعة مفتوحة.

2 ـ ليكن الدين والخلق أهم ما يبحث عنه الشاب، وأهم ما تبحث عنه الفتاة؛ لأنهما يشكلان الضامن الأساسي لاستمرار الحياة الزوجية، بعض الشباب والفتيات يؤدون الفرائض ولا يرتكبون الكبائر لكن لديهم طباع رديئة وأخلاق صعبة، وبعضهم لديه أخلاق سهلة وصفات محببة، لكنهم مفرطون في الواجبات ومتساهلون تجاه بعض المحرمات، وهؤلاء وأولئك ليسوا ممن ينبغي أن يسعى إليهم، وذلك بسبب عدم توفر الدين أو الخلق، وإن كثيرا من المشكلات التي تعاني منها الأسر اليوم يعود إلى ضعف في الدين أو ضعف في الأخلاق.

3 ـ أنتم تلاحظون كثرة الخلافات الزوجية وكثرة وقائع الطلاق في هذه الأيام، وذلك بسبب الثقافة التي تنشرها العولمة والتي تؤكد على لاستقلال الشخصي، وتروج للأنانية، والتمتع والتسلية واللهو، وهذه المعاني مضادة لمقتضيات التآلف والتراجم بين الزوجين، ومضادة لأسس الاستمرار في حياة زوجية هانئة؛ ولهذا فإن على كل واحد من أبنائي وبناتي أن يحاول امتلاك الثقافة التي تساعد على أن يكون عضوا ممتازا في أسرة ممتازة ، وذلك من خلال معرفة أدوار الحياة الأسرية وواجباتها، ومعرفة شروط الوئام الأسري، كما أن عليه أن يتهيأ نفسيا وثقافيا لتربية الأولاد والبنات وينبغي أن يكون هذا قبل الزواج بمدة كافية.

4 ـ إن أقدر نسان على إسعاد إنسان آخر وإشقائه هو الزوج والزوج؛ ومن ثم فلابد من معرفة مكونات الحياة الأسرة الناجحة، والامتثال لمتطلباتها.

إن الزواج المبكر من غير استعداد حسن قد يؤدي إلى طلاق مبكر، وهذا ما تشير إله الدراسات حيث إن معظم حالات الطلاق يقع في السنوات الأربع الأولى من بداية الحياة الزوجية.

février 13, 2015

داء الوسوسة.. الأسباب والآثار

الحمد لله.. جعل هذه الحياة داراً للابتلاء والامتحان، وميداناً للصراع بين الإنسان وبين الشيطان، وجعل موطن هذا الصراع وميدان هذه المعركة هو قلب الإنسان.. فأيهما تمكن منه كانت له الغلبة وكان له الفوز.. فإذا فاز الإنسان بالإيمان تمكن من القلب وطرد الشيطان، وإذا كان العكس كانت العاقبة للشيطان فباض فيه وفرخ وسكن فيه ووسوس. 


والوسوسة نوع من الابتلاء الذي يصاب به الإنسان ويحزنه به الشيطان فيفسد عليه دينه وعبادته، بل وينغص عليه حياته كلها.
الوساوس داء عضال، ومقت ووبال، وقد يبغض المرء بسببه العبادة، ويستثقل الحياة، وقد يصاب بمرض نفسي أو عضوي بسبب الوسواس.

صليت بالأمس بجانب رجل صلاة الظهر فراعني والله ما رأيت، وعجبت مما سمعت وشاهدت، حتى أفسد على صلاتي أو كاد، ولم أملك في النهاية إلا أن أدعو الله تعالى أن يعافيه من هذا البلاء الشديد والكرب العجيب. وقد كثرت شكوى الموسوسين هذا الزمان في أشياء كثيرة من شئون دينهم ودنياهم، فأحببت أن أكتب حول هذه القضية.

سبب الوسوسة
ذكر أهل العلم كالإمام الجويني - رحمه الله- في كتابه الذي سماه: التبصرة في الوسوسة، ثم نقل هذا عنه عدد من العلماء أن الوسواس لا يكون إلا بأحد سببين: إما نقص في غريزة العقل، وإما جهل بمسالك الشريعة.

النقص في غريزة العقل
أما كونه نقصا في العقل فإن أحدهم يغسل يده عشر مرات ثم هو يظن أنها لم تغسل ولم يصل إليها الماء، ويقف أحدهم ينوي للصلاة ويرفع صوته فيسمع نفسه ويسمعه كل من حوله ثم هو بعد ذلك يظن أنه لم ينو.. ولولا نقص عقلهم ما بلغ الشيطان منهم هذا المبلغ.

ولذلك ذكر ابن الجوزي وابن القيم رحمهما الله أن رجلاً جاء إلى الإمام أبي الوفاء بن عقيل الحنبلي فقال له: يا إمام إنني أنغمس في الماء مرة، ومرتين، وثلاثاً، ثم أخرج منه، وأنا أشك هل ارتفعت الجنابة عني أم لا، هل اغتسلت أم لا. فقال له أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله: اذهب فقد سقطت عنك الصلاة، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [رفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والصغير حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق] وهذا جنون.

الجهل بمسالك الشريعة
وذلك أن كثيراً من الموسوسين أيضاً يجهلون حكم الله ورسوله فيما يعانونه، يجهلون أسماء الله عز وجل وصفاته وما ينبغي له، وما لا يجوز عليه، فيقعون في الوسوسة في أسماء الله وصفاته، يجهلون أحكام الطهارات والمياه وغيرها فيقعون في الوسوسة في ذلك،.
أنواع الوسوسة
أنواع الوسوسة كثيرة فإنها ضرب من الجنون، وكما قالوا الجنون فنون.. فمن أنواع الوسواس:
الوسوسة في الإيمانيات
وفي قضايا العقائد، حيث يتنطع بعض الناس في التفكير في ذات الله تعالى وأسمائه وصفاته، ويخطر في فكره وقلبه خواطر وتصورات وظنون تشغل باله، وتجعله يشك في نفسه ويشك في إيمانه وتقلقه، حتى ربما يسهر بعضهم الليالي ذوات العدد وهو يتقلب في الفراش يفكر في هذه الأمور ويحاول أن يدفعها، ثم يرد على قلبه خاطر أعظم وأطم من ذلك، فيقول له الشيطان الذي أوقعه في الشبكة: مسكين أنت، قد تموت وأنت على هذه الحال، شاك في الله عز وجل مرتد عن دينه، فيكون مصيرك إلى نار جهنم، ولا يزال الشيطان يغلي هذا الإنسان في هذا الحريق حتى يصبح كالحبة التي تتقلب على النار، لا يهدأ له بال، ولا ينعم بنوم، فهذا هو النوع الأول.

الوسوسة في النية
أما النوع الثاني: فهو الوسواس في شأن النية: فإن كثيراً من الناس يوسوسون في نياتهم ومقاصدهم، يوسوس في نيته إذا أراد الطهارة، فيتوضأ مرة ثم يعود فيبدأ في الوضوء، فإذا انتصف قال: ربما لم أتوضأ، فقطع النية وعاد من جديد وهكذا يبدأ ويعيد، فإذا أراد أن يصلي أصابه ما قرب وما بعد في شأن النية، فإذا بدأ فيها ونصفها ربما قطعها وخرج منها ليعيد نيته من جديد مما يقود إلى الوقوع في كثير من البدع التي تزيد على العشر، كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ويصيبه من ذلك والعياذ بالله من المشقة والعنت ما لا يحمد عليه في الدنيا، ولا يؤجر عليه في الآخرة فنسأل الله السلامة بمنه وكرمه.

الوسوسة في الطهارة والمياه
أما النوع الثالث من أنواع الوسوسة: فهو الوسوسة في الطهارة والمياه وغيرها، فتجد الإنسان إذا قضى حاجته تعب في ذلك أشد التعب، وربما بقي في مكان الخلاء الساعات الطوال ومع ذلك يخرج وهو لا يدري هل تظهر أم لا.

الوسوسة في العبادات
وبطبيعة الحال فالوسوسة في العبادة ليست في الصلاة، فقط، بل قد يداخله الوسواس في الصيام وفي الحج، في عدد الطواف مثلاً، وفي عدد الحصوات التي رمى بها، وفي نوع العمل الذي عمله وفي كل عبادة من العبادات، فيفسدها عليه، ويحرمه من لذة العبادة وهو مع أهميته وجلاله أقل ما يمكن أن يصيب أصحاب الوساوس.

الوسوسة في المعاملات
والنوع الخامس من أنواع الوسوسة: هو الوسوسة في المعاملات، فتجد الإنسان يشدد على نفسه ويبالغ في ذلك وربما يطول بكم العجب لو رأيتم بعض ما ابتلي به هؤلاء الموسوسون في مثل ذلك، ثم إذا اشترى شيئاً أو باع شيئاً، رجع إلى بيته فنسي، هل أديت المال وقيمة هذه السلعة أم لا؟ فغلب على ظنه أنه لم يؤدها فرجع وربما يدفع قيمة ما اشتراه مرتين وثلاث مرات، وربما يكثر من مراجعة نفسه، أنك قلت في فلان كذا والواقع أن الأمر كذا، وقلت في أمك كذا، وقلت في أبيك كذا، وقلت في زوجتك كذا، وبدأ الشيطان يتلاعب به في أقواله وأفعاله، حتى أفسد عليه دينه ودنياه، هذه أهم أنواع الوسوسة.
آثار الوسوسة ومضارها
فهي تنقسم إلى: مضار دينية، ومضار دنيوية.
المضار الدينية على الموسوس
فالمضار الدينية أن هذا الموسوس قد يبغض إليه كثير من أمور الدين بسبب ما ابتلي به من الوسواس، فيبغض العبادة، يبغض الصلاة ويبغض قراءة القرآن لما يعرض له في ذلك من كيد الشيطان، وإذا حصل له هذه النوايا في قلبه بسبب ما ابتلى به من الوسواس ابتلي بوسواس آخر فقال له الشيطان: أنت الآن تبغض قراءة القرآن، أنت تبغض الصلاة لأنك ربما قد وقعت في الكفر، فجره إلى نوع آخر من الوسوسة والعياذ بالله! وانظر كيف يتدرج الشيطان بالإنسان، فهي سلسله من الوساوس إذا بدأت في الإنسان لا تكاد تنتهي، إلا بتوفيق الله عز وجل.

ومن المضار الدينية التي يبتلى بها الموسوس أنه قد يترك هذه العبادة، لا يكتفي ببغضها بل قد يتركها، فربما ترك الصلاة أو ترك على الأقل كثيراً من النوافل بسبب الوسوسة.

إن الوسوسة تشغل كثيراً من وقته فيما لا فائدة فيه فينشغل عن القراءة والذكر والعلم والدعوة بهذا البلاء المستطير، وربما دخل قلبه شيء من الخوف الذي هو خوف في غير مكانه، وأدى إلى ضرر عظيم على هذا الإنسان.

المضار الدنيوية على الموسوس
أولا: أن الإنسان قد يبتلى ببلاء من جنس ما وسوس فيه. كمن يوسوس في نزول البول بعد الطهارة فما يزال بنفسه حتى يصيبه ذلك من كثرة ما يخطئ في أسلوب الطهارة.

ثانيا: أننه يؤثر في صحته وجسمه، لأنه هم وغم يصيب الإنسان فيؤثر على عقله وبدنه، حتى ترى بعضهم هزيلا ضعيفا من كثرة الفكر وطول الهم خاصة إذا طال الزمن.

ثالثا: أنه قد يحرم الإنسان من المنافع الدنيوية، فأعرف من ترك طلب العلم والدراسة، أو التجارة أو غير ذلك وانشغل بهذا الأمر، فإذا انشغل تفرغ لهذا الوسواس وتفرغ الشيطان له، وكما يقال: زاد الطين بلة.

آثاره على غير الموسوس
وللوسوسة آثار ومضار على غير أصحاب البلاء، فمن آثاره ومضاره:
أنه يجعل نفسه مسخرة للناس حيث يضحكون به ويسخرون به، وربما نالهم الإثم بسبب غيبتهم له أو ضحكهم منه، أو استهزائهم بأعماله وتصرفاته.

ومنها: أن بعض من يحسنون الظن بهذا الموسوس قد يجارونه ويسايرونه ويقتدون به فيما فعل، فيسبب لهؤلاء الناس ضرراً وإثماً، وكان قدوة سيئة لغيره في ذلك.
ومن أضراره على الناس أيضاً، وهذه من الأضرار العظيمة في هذا العصر خاصة أنه يفتح ثغرة على أهل الخير حيث إن كثيراً من الأشرار وأعداء المؤمنين قد يسخرون منهم بسبب هؤلاء الموسوسين، فإذا وجدوا بين المؤمنين شخصاً موسوساً أطلقوا الوسواس على كل المؤمنين، فإذا رأوا إنساناً يعمل عبادة مشروعة مستحبة، بل ربما يعمل واجباً قالوا: هذا موسوس، فألصقوا به هذه الفرية بسبب وجود فرد أو أفراد مبتلين بهذا الداء، وبعضهم يقول للأب إذا رأى ابنه مع الصالحين: ابنك سيتحول إلى موسوس ويصاب بما أصيب به فلان من ترك العمل، وترك الدراسة، وكثرة البقاء في دورات المياه وإطالة الصلاة، وما أشبه ذلك من الأمور التي قد يجدونها في بعض الموسوسين.

علاج الوسواس
الوسواس داء وما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، عَلِمه من عَلِمه وجَهِله من جَهِله. فعلى المبتلى أن يعرف أين طريق العلاج ثم يسلك فيه فيشفى بإذن الله. وهو ما سنحاول أن نبينه في مقال قادم بإذن الله .. نسأل الله أن يشفي كل مريض مسلم، وأن يلبسنا جميعا ثوب الصحة والعافية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملخص محاضرة "رسالة إلى موسوس" للشيخ سلمان العودة

février 13, 2015

رسالة إلى أسير الشهوات

في زماننا كثرت الفتن، وانتشرت الشهوات والمغريات، وسهل الوقوع في المعاصي والسيئات، وفتحت على مصاريعها أبواب المخالفات. ولا يملك الإنسان المسلم، السليم الديانة الصحيح العقيدة المشفق على عباد الله، إلا أن يدعو ربه أن يحفظه هو أولا ثم يحفظ جميع عباده من الوقوع في هذه السقطات أو الهفوات أو المهلكات، ومع ذلك فكل مُواقِع لذنب أو مقيم على معصية ـ سواء كان شابا أو غير شاب ـ فإنا وإن كنا نرحمه وندعو الله أن يحفظه ويصونه، إلا أننا أيضا ندعوه للتوبة إلى الله والأخذ بأسباب العودة إليه، وترك ما هو عليه، والإنابة إلى سيده ومولاه، ونعده موقنين أنه قادر على التخلص من قيد الشياطين؛ فالمعصية وإن طال الوقوع فيها فهي من كيد إبليس، وقد أخبر الله أن كيده كان ضعيفا.. ومن استعان بالله أعانه ومن أقبل عليه قبله، ومن طلب منه المدد وفقه..


في حياتنا وعلى مدار الزمان كم من صاحب معصية وقع فيها لضعف أو شهوة أو غفلة فداوم عليها، ثم أصر عليها حتى أدمنها، وحاول مرات أن يتخلص منها لكن صعب عليه مفارقتها، وفي كل مرة يحاول التوبة يعود، حتى أوهمه إبليس أنه صار أسيرا لها وأقنعه أنه لا يمكنه الإقلاع عنها أو التخلص منها، حتى يبلغ به مبلغ الإحباط وينأى به عن طلب التوبة من رب الأرض والسموات.. فمن ضعفت همته، وسفلت نفسه وقل إيمانه بسعة رحمة الله وبقدراته على التوبة استسلم له حتى بلغ منه إبليس مراده ونال منه مطلوبه، فمات مصرا أو على الأقل غير تائب.. ولكن كانت هناك طائفة بقي أملها بالله ويقينها بالقدرة على هزيمة الهوى والنفس الأمارة وإبليس اللعين؛ فاستعانوا بربهم وأخذوا بأسباب التوبة وطرقوا أبوابها، فما لبثوا إلا قليلا حتى فتحت لهم الأبواب فولجوا على الكريم الوهاب؛ فوجدوا لذة العبادة وأنس الطاعة وحلاوة المناجاة، وندموا على أيام عصوا فيها ربهم ظنا منهم أنهم يجدون السعادة في معصيته، فلما ذاقوا لذة القرب منه أسفوا على ما فاتهم في خوالي أيامهم.

ليس العيب أن تسقط.. ولكن
إنني أقول لكل أخ حبيب، وابن قريب، وشاب أريب، ومسلم لبيب وقع فيما قد وقع فيه: ليس العيب أن تسقط، فإنها طبيعة البشر، [كل ابن آدم خطاء]، ولكن العيب ألا تحاول النهوض وترضى بالبقاء في مستنقع الرذيلة، فالكل معرض للسقوط ولكن {خير الخطائين التوابون].

إن باب التوبة مفتوح، وطريق العودة يسع جميع التائبين، وربك واسع المغفرة يفرح بعودة المذنبين وتوبة المخطئين {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، فهلم بنا إلى الله فأنت قادر يقينا على قهر نفسك وشيطانك بعون رب العالمين.

فإن قلت كيف؟ قلت لك تعال معي نحاول
أولا: خل عنك الخطرات وأفكار السوء:

إن أول طريق الذنب خطرة يمررها الشيطان على الخاطر، فإن طردتها سريعا، وإلا تحولت إلى فكرة تتقلب بين العقل والقلب، فإن نفاها القلب عنه وإلا تحولت إلى هم وهو أول طريق التحول من الخيال إلى الواقع، ومن التمني إلى التنفيذ، ومن رحمة الله أن يؤاخذ به في الخير دون الشر، فإذا لم يدفع العبد عن نفسه هذا الهم تمكن حتى يصير عزيمة، وهي اتخاذ القرار بالفعل والتنفيذ، إلا أن يصرف العبد صارف من تقوى أو من واقع خارج، ولذلك يؤاخذ العبد على عزيمته في الخير والشر.
مراتب القصد خمس هاجس ذكروا .. .. فخاطر فحديث النفس فاستمعا
يلـيه هــم فـعـــزم كلــها رفـعــت .. .. سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعا

ثانيا: لا تتبع العزم العمل:
إذا تمكن العزم على المعصية من قلب العبد ولم يصرفه تحول إلى فعل، فيقع الإنسان في المعصية.. وإلى هنا فالباب ما زال واسعا، فإذا تذكر العبد سريعا وتاب وأناب من قريب فأمره سهل، وكل ترك سهل في مباديه، {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون}، فإذا غلبه شيطانه كرر الذنب وتمادى فيه، ومع كل تكرار تقل هيبة الله في القلب ويسهل عليه الذنب ويهون في عين صاحبه، فيزداد جرأة عليه ويزداد تمكن الشيطان من قلبه.. ولو أنه رد عزيمته أول أمره، أو تاب اول ذنبه لهان عليه الأمر، ولكن بدأ الران يدب إليه ويضعف جذوة الإيمان ويطفئ نور البصيرة والهداية شيئا فشيئا. حتى إذا صار الذنب سلوكا وعادة ازداد تمكن الشيطان منه حتى يوهمه أنه لا سبيل له إلى تركه، فيوقعه فيه بمجرد الإشارة {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي}..

ثالثا: إياك والاستسلام:
مهما اقترف العبد من ذنوب، ومهما بلغ الذنب منه، ومهما تمادى في العصيان يبقى لنا الأمل في سعة رحمة الله ولطفه، وبره بعباده ورحمته، فلا ينبغي أن يتسلل اليأس والقنوط إلى النفس، فإن الذنب مهما زاد وكثر فرحمة الله أوسع، وليس هناك ذنب يستعصي على المغفرة طالما تاب العبد منه، وقد غفر الله للكفل من بني إسرائيل وهو الذي لم يكن يرعوي عن ذنب قط، وغفر لقاتل المائة نفس، وغفر لصاحب سجلات الشر المائة إلا واحدا، وأكثر من هذا مما لا يعلمه إلا الله.. فلا ترفع الراية البيضاء للشيطان، بل ارفعها مع الرحمن، واستسلم بين يديه، وانطرح على أبوابه طالباً إعانته ومرضاته فهو القائل: {ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون}.

ثالثا: ثق بقدرتك على الإحسان:
لابد أن تثق في نفسك، وفي قدرتك على التخلص مما أنت عليه، وإياك أن يبلغ الشيطان منك أن يحقر لك نفسك، ويقنطك من القدرة على التوبة والعودة إلى طريق الطاعة وترك المعصية، ومتى وُجِدت الرغبةُ والهمة لدى إنسان فقد أمسك بأول مفاتيح الانتصار، وأول مقومات النجاح، فشجع نفسك وتب إلى ربك توبة نصوحا وسارع إلى مغفرة الله {يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار}، {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة} .
رابعا: كن على ثقة بسعة عفو ربك:
ويكفي أن تقرأ هذين الحديثين ففيهما غنية عن كل كلام.. فقد روى مسلم عن ابنِ عباسٍ رضي الله عنه أنَّ ناسًا من أهلِ الشركِ قَتلوا فأكثروا، وزنَوْا فأكثَروا ثمَّ أتَوْا محمدًا صلَّى اللهُ عليه وسلم فقالوا: إنَّ الذي تقولُ وتدعو لحسنٌ ولو تخبرُنا أنَّ لِما عمِلنا كفَّارةً! فنزل: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ، إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}[الفرقان: 68ـ 70)، ونزل: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الزمر:53]

وذكر ابن حجر العسقلاني في كتاب "الأمالي المطلقة" وكتابه "الإصابة في معرفة الصحابة" عَن أبي طويلٍ شَطَبٍ المَمدودِ رضيَ اللَّهُ تعالى عنهُ أنَّهُ أتى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ فقالَ: أرأيتَ رجلًا عملَ الذُّنوبَ كلَّها فلم يترُكْ منها شيئًا، وَهوَ مع ذلِكَ لم يترُكْ حاجَّةً ولا داجَّةً إلَّا أتاها، فَهَل لذلِكَ من توبةٍ؟ قالَ: أليسَ قد أسلَمتَ؟ قالَ: أمَّا أَنا فأشهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ.. قالَ: نعَم، تَفعلُ الخيراتِ وتترُكَ السَّيِّئاتِ فيَّجعلُهنَّ اللَّهُ لَكَ حسَناتٍ كُلَّهُنَّ. قالَ: وغدَراتي وفجَراتي؟ قالَ: نعَم.. قالَ: اللَّهُ أَكْبرُ. فما زالَ يُكَبِّرُ حتَّى توارَى] قال ابن حجر حديث حسن صحيح غريب. وقال في الإصابة على شرط الصحيح.

خامسا: ابتعد عن رفقاء السوء:
إن بيئة المعصية تذكر بالمعصية وتعين عليها، وأصحاب السوء يدعون أصحابهم إليه، يذكرون بالمعصية ويأمرون بها، ويهربون من الطاعة وينهون عنها، فهم في الدنيا أعوان إبليس في الدلالة على الشر والدعوة إليه، وفي الآخرة أعداء يتبرأ كل منهم من صاحبه ويدعو الله أن ينتقم منه {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ، يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ، لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا}(الفرقان:27ـ29)، وقال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}(الزخرف:67).. فرفيق السوء كنافخ الكير: إما أن يحرق ثوبك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة.

سادسا: غير بيئتك
وانتقل إلى بيئة الطاعة وأصدقاء الخير الذين يدعونك إليه ويعينونك عليه، فإذا نسيت ذكروك وإذا ذكرت أعانوك وإن وجدوك على شر وسوء بصروك ونهوك.. فبيئة الخير تعين عليه ولذلك أمر العالم التقي الفهم قاتل المائة نفس حين أراد التوبة أن يترك قريته فإنها قرية سوء وأن ينتقل إلى قرية أخرى قريبة يعبد أهلها الله فيعبد الله معهم..

سابعا: تخلص من أسباب المعصية:
فطريق التوبة لا يتم إلا بالعزم على عدم العودة، ولا يصح هذا إلا بالتخلص من أسباب الذنب ودواعيه، فإن كانت معاكسات فتخلص من الأرقام والعناوين، وإن كانت صورا فأحرقها أو تخلص منها بأي وسيلة تمنعك من الوصول إليها، وإن كانت مقاطع حقيرة فاحذفها للأبد، وإن كان ذنب يعمل في الخفا فلا تخلون قدر الاستطاعة.. المهم ألا يبقى بين يديك سبيل يدعوك للعودة للمعصية ويسهلها عليك.

لا تنفرد وحدك أمام الشاشات، ولا تتغيب خلف الأبواب بحيث لا يراك أحد فيسول لك الشيطان فعل المعصية، واجلس دائما مع الناس خصوصا مع من تستحي من أن يروك على خلاف ما تحب، فإن الحياء يمنع أحيانا كثيرة من المعاصي والله أولى أن يستحيى منه.

ثامنا: اشغل نفسك بالطاعة:
لا تترك نفسك فارغة قدر طاقتك، بل اشغلها دائما بعمل فإن لم تكن طاعة فعلى الأقل ليس بمعصية، فإن النفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، وإن لم تأمرها بالحق أمرتك بالباطل، فابحث عن عمل تؤديه، أو دعوة تقوم بها، أو رحم تصلها، أو زيارة لمريض، أو صديق.. وأبواب الخير كثيرة، وأحسنها الحفاظ على الفرائض الواجبات ثم الإكثار من نوافل العبادات فهو من أعظم ما يعين على طاعة الله ويجلب محبته ورضاه كما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن رب العزة سبحانه في الحديث القدسي يقول: [من عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحربِ، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليه، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أُحبَّه، فإذا أحببتُه: كنتُ سمعَه الَّذي يسمَعُ به، وبصرَه الَّذي يُبصِرُ به، ويدَه الَّتي يبطِشُ بها، ورِجلَه الَّتي يمشي بها، وإن سألني لأُعطينَّه، ولئن استعاذني لأُعيذنَّه].

تاسعا: المجاهدة المجاهدة
إن الشيطان لن يدعك لتتوب وتفلت منه وتنجو من النار التي يريد أن يصليكها، ولذلك سيجلب عليك بخيله ورجله، ويحشد عليك جنوده، وسيذكرك بماضيك وكل معاصيك، وسيزين لك ما رأيت قبحه يريد أن يردك إلى ما كنت عليه، ويجعلك من نصيبه الذين أقسم أن يدخلهم معه جهنم، فلا عليك إلا أن تجاهد وتصبر، وتقاوم وتستغفر، وتستعين بالله تعالى عليه، وتجاهد نفسك أشد الجهاد.. وما هو إلا يسير حتى تشرق على قلبك شمس التوبة فيفر خفافيش الظلام من أمامك وتشعر بنشوة الانتصار كما قال تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.

عاشرا: الدعاء الدعاء
فهو عدة المؤمنين وسلاح القانتين وجنة المحاربين وسبيل الصادقين للنصر المبين، فالله تعالى قريب يجيب دعوة الداعين، وقد أمرك بقوله: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}(غافر:60)، وهو أقرب إليك مما تظن وأسرع في الإجابة مما تتوقع، فالجأ إلى جنابه، وأكثر الطرق على بابه يأتيك منه الخير كل الخير {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ}(البقرة:186).

أسأل الله أن يرزقنا توبة نصوحا يغفر بها ما سبق من ذنوبنا، ويصلح لنا بها ما بقي من أعمارنا؛ إنه سميع مجيب.

février 13, 2015

اعلم يا بني


ما أجل الكلمات الدافئة التي امتزجت بكل معاني الإخلاص عندما تخرج من قلب أغلى الناس وأحن الخلق وأعطف البشر .. «الوالد» الذي فطره الله تعالى على حب دفين لأبنائه لا يعرف المصانعة ولا التملق ولا النفاق، إنها الكنوز الحقيقية والنصائح النورانية التي يكون الولد في أمس الحاجة إليها لقلة خبرته وضعف حيلته وندره الناصح المشفق.

• اعلم يا بني وفقك الله للصواب: أنه لم يتميز الآدمي بالعقل إلا ليعمل بمقتضاه، فاستحضر عقلك، واعمل فكرك، واخل بنفسك .. تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف، وأن عليك فرائض أنت مطالب بها، وأن الملكين يحصيان ألفاظك ونظراتك، وأن أنفاس الحي خطاه إلى أجله، ومقدار اللبث في الدنيا قليل، والحبس في القبور طويل، والعذاب على موافقة الهوى وبيل.
فأين لذة أمس؟! رحلت وأبقت ندما .. وأين شهوة النفس؟! كم نكست رأسا، وزلت قدما، وما سَعِد من سعد إلا بخلاف هواه، ولا شَقِي من شقي إلا بإيثار دنياه. فاعتبر بمن مضى من الملوك والزهاد، أين لذة هؤلاء وأين تعب أولئك؟ بقي الثواب الجزيل، والذكر الجميل للصالحين، والمقالة القبيحة والعقاب الوبيل للعاصين، وكأنه ما جاع من جاع، ولا شبع من شبع.

• واعلم أن الكسل عن الفضائل بئس الرفيق، وحب الراحة يورث من الندم ما يربو على كل لذة، فانتبه واتعب لنفسك.

• واعلم أن طلب الفضائل نهاية مراد المجتهدين، ثم الفضائل تتفاوت، فمن الناس من يرى الفضائل الزهد في الدنيا، ومنهم من يراها التشاغل بالتعبد، وعلى الحقيقة فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق سبحانه وتعالى، وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه, فتلك الغاية المقصودة وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وليس كل ما يريد مرادا ولا كل طالب واجدا، ولكن على العبد الاجتهاد، وكل ميسر لما خلق له، والله المستعان.

• واعلم يا بني: أن من تفكر في الدنيا قبل أن يوجد رأى مدة طويلة، فإذا تفكر فيها بعد أن يخرج منها رأى مدة يسيرة، وعلم أن اللبث في القبور طويل، فإذا تفكر في يوم القيامة علم أنه خمسون ألف سنة، فإذا تفكر في اللبث في الجنة أو النار علم أنه لا نهاية له، فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا -فرضنا ستين سنة مثلا- فإنه يمضي منها ثلاثون سنة في النوم، ونحو من خمس عشر في الصبا، فإذا حسب الباقي كان أكثره في الشهوات والمطاعم والمكاسب، فإذا خلص ما للآخرة وجد فيه من الرياء والغفلة كثيرا، فبماذا تشتري الحياة الأبدية، وإنما الثمن هذه الساعات؟

• فانتبه يا بني لنفسك، واندم على ما مضى من تفريطك، واجتهد في لحاق الكاملين مادام في الوقت سعة، واسق غصنك ما دامت فيه رطوبة، واذكر ساعتك التي ضاعت فكفى بها عظة، ذهبت لذة الكسل فيها، وفاتت مراتب الفضائل، وقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يحبون كل فضيلة ويبكون على فوات واحدة منها.. قال إبراهيم بن أدهم: دخلنا على عابد مريض، وهو ينظر إلى رجليه ويبكي، فقلنا: ما لك تبكي؟ فقال: ما اغبرتا في سبيل الله.. وبكى آخر، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: على يوم مضى ما صمته، وعلى ليلة ذهبت ما قمتها.

• فاعلم يا بني أن الأيام تبسط ساعات، والساعات تبسط أنفاس، وكل نفس خزانة، فاحذر أن يذهب نفس بغير شيء، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم ولا ينفعك الندم.
• كتب علي بن أبي طالب – رضي الله عنه- إلى ولده الحسين: من عبد الله علي أمير المؤمنين الوالد الفاني، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، إلى الولد المؤمل ما لا يدرك، السالك سبيل من قد هلك، عرضة الأسقام، ورهينة الأيام، وأسير المنايا، وقرين الرزايا، وصريع الشهوات، ونصب الآفات، وخليفة الأموات.. يا بني إن بقيت أو فنيت فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، فإن الله يقول: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران:103] وأي سبب يا بني أوثق من سبب بينك وبين الله عز وجل. أحي قلبك بالموعظة، ونوره بالحكمة، وقوه بالزهد، وذلـله بذكر بالموت، وقرره بالفناء، وحذره صولة الدهر وتقلب الليالي، وأعرض عليه أخبار الماضين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر ما فعلوا، وأين حلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور ونزلوا دار الغربة، وكأنك عن قليل يا بني قد صرت كأحدهم، فبع دنياك بآخرتك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والأمر فيما لا تكلف، ومر بالمعروف بيدك ولسانك وكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله، وخض الغمرات إلى الحق، ولا تأخذك في الله لومة لائم، واحفظ وصيتي فلا خير في علم لا ينفع، واعلم أنه لا غنى بك عن حسن الارتياد مع بلاغك من الزاد، فإن أصبت من أهل الفاقة من يحتمل عنك زادك فيوافيك به في معادك فاغتنمه، فإن أمامك عقبة كئودا لا يجاوزها إلا أخف الناس حملا. وأجمل في الطلب، وأحسن في المكسب، فرب طلب قد جر إلى حرب، وإنما المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب يقينه، واعلم أنه لا غنى يعدل الجنة، ولا فقر يعدل النار.. والسلام عليك ورحمة الله.

سل الأيام ما فعلت بكســـرى .. .. وقيصر والقصور وساكنيها
أمـا اسـتـدعتهم للمـوت طُـرا .. .. فلم تدع الحــليم ولا الســفيها
دنت نحـو الدني بسهم خطب .. .. فأصمـته ولـم تـدع الوجــيها
أمـا لو بـيـعـت الدنـيا بفـلـس .. .. أنِفـتُ لعـاقــل أن يشـتـريـهـا 

février 13, 2015

الشخصية الفاشلة


خلق الله تعالى العباد وجعل أحوالهم جارية على سنن قدّرها وقضاها. فمن سنن الله تعالى، سنة المداولة {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران:140] فالفاشل قد ينجح.. والناجح قد يفشل.. تلك سنة جارية، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا!

ولذلك ليس الفاشل من يقع في الفشل.. فتلك سنة، إنما الفاشل من يقع فيه ثم هو يرتضيه.. قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}[النساء: 17- 18]

والشخصية الفاشلة تقف حجر عثرة أمام تقدم صاحبها ورقيه، وتبدل أفراحه أتراحاً، وتترك عمره بلا ثمر ولا حصيلة، ويحدد لها علماء النفس بعض السمات التي تتصف بها:

سمات الشخصية الفاشلة:
النظرة التشاؤمية هي الغالبة عليها في كافة تصرفاتها وقناعاتها. باطنها مملوءة بالانتقام والعدوان، وفي أكثر الأحيان لا تستطيع أن تنفذ ما تريد، وينعكس ذلك في كلماتها وآرائها.

العزلة والانطوائية: صاحب هذه الشخصية لا يقيم علاقات اجتماعية مع الناس، فطابع العزلة والانفراد هو السمة الغالبة لديه، نتيجة عدم الرغبة في تحمل المسؤولية، وقد تكون تعبيراً عن الترفع والاعتداد بالنفس مما يدفعه إلى السلبية إلا إذا جاءت الأمور طبقاً لرغباته، وقد تكون صفة الانطوائية ناجمة عن شعوره بالنقص من الآخرين وما يولده ذلك من مشاعر العنف والقسوة تجاه ذاته ومعاقبتها لأنه لا يستطيع مجاراة الناس ممن يقدمون لبعضهم البعض أجمل الابتسامات والتمنيات بالخير عندما يلتقون، ويكنون لهم أعظم الأمنيات بالتوفيق، فصاحب الشخصية الفاشلة يضمر الكره بسبب عقدة النقص التي تلازمه، وعقدة الحقد على كل ما هو مفرح وناجح، فينعكس هذا السلوك السلبي على قسمات وجهه وإيماءاته التي يقرأها الناس، فيتخذ حينئذ العزلة والابتعاد والسلبية تجاه الآخرين.

موقف الحذر من المشاركة فيما يهم الناس في أفراحهم و أحزانهم، حتى ولو كان بالتعبير السطحي، وإظهار مظهر من مظاهر المشاركة الوجدانية كما يفعل عامة البشر أثناء الأفراح أو المصائب والشدائد التي تبتلى بها عائلة ما.

ضعف الفعالية في كافة مجالات الحياة، بل إنها شخصية لا ترى للنجاح معنى، أو ليس عندها مشروعاً اسمه النجاح، وتحاول إفشال مشاريع النجاح. لا تؤمن بمسيرة الألف الميل التي تبدأ بخطوة، بل ليس عندها همة الخطوة الأولى، ولهذا لا تتقدم ولا تحرك ساكناَ وإن فعلت في مرة توقفت مئات المرات. كما أنها لا ترى أن هناك فراغاً يجب أن تملأه وأن يكون لها دورا تؤديه.

عدم الانضباط والالتزام: فليس للالتزام والانضباط معنى أو قيمة في قائمة أولوياتها، فلا تتأثر بالمواعظ ولا تلبي أي نداء ولا تسمع التوجيهات النافعة.

المشاغبة: دائماً تقوم بدور المعوق والمشاغب بكل ما هو تحت تصرفها أو ضمن صلاحياتها.

كثرة الشكوى بلا مبرر: شخصية مطعمة بالحجج الواهية والأعذار الخادعة بشكل مقصود. وهي دائمة الشكوى والاعتراض والعتاب والنقد الهدام. وإذا ناقشت موضوعا ما ناقشته بغضب وتوتر والانحيازية لذاتها ومصالحها.

إن الهمة العالية مطلب عظيم يتمناه أصحاب النفوس الكبيرة التي تتوق إلى المعالي، وقوة الإرادة هي وقود هذه الهمة العالية، فبدون هذا الوقود – بعد توفيق الله عز وجل – لن يتم لهذه الهمة منالها ومبتغاها، ولعل خير شاهد على ذلك همة العلماء وطلبة العلم وكيف أنهم استطاعوا تحقيق أعمال وكأنها أشبه بالخوارق، وكانت تلك الإرادة الصلبة التي رُدفت بهمة عالية طريقاً لذلك.

ومشكلتنا الشائعة أن البعض منا يتصور في نفسه قصوراً متوهماً، وكأن أصحاب الإنجازات ليسوا من البشر، فإذا نظر إلى حافظ القرآن، أو إلى طالب متفوق في دراسته، أو إلى مبتكر، أو إلى عالم، أو إلى خطيب، أو إلى أي إنسان متميز.. قلل من نفسه واتهم ذاته بعدم القدرة على مقارعة هؤلاء، واستمر على ما هو عليه في مكانه لا يتقدم إن لم يكن يتراجع! فهذا وأمثاله ندعوهم دعوة صادقة للتوكل على الله أولاً، ونفض غبار الأوهام وارتداء رداء قوة الإرادة بعزيمة تتهاوى معها كل المثبطات والعوائق، وسيلاحظون بإذن الله الفرق قريباً.

أننا نعيش جميعاً بواسطة التركيبات أو الأوامر الذاتية طيلة حياتنا، وأحياناً ما نعيش بتوكيدات سلبية مثل "أنني لا أجيد صنع شيء" أو "أنني لا أستطيع أن أتحدث أمام الجمهور"، أو "أن لي ذاكرة ضعيفة تنسى كثيراً".. وهكذا، فعقلنا الواعي بمثابة البستان، أما عقلنا اللاواعي «الباطن» فيمثل "البستان نفسه"، وأي شيء نزرعه أو نبذره في بستاننا سيثمر، والأفكار سرعان ما تتحول إلى واقع ملموس ..

إذا ما فهمنا هذا جيداً فسندرك أننا قد برمجنا عقولنا لكي تفكر بطريقة خاطئة، وبالتالي لكي نتقدم علينا أن نكتب توكيداً نصيغه على هيئة تصريح بما سنبرمج عليه أنفسنا في الواقع، بل نكتب عدة توكيدات لكل هدف، فإذا كنت -على سبيل المثال- تود أن تتحمل الناس أكثر فإنك ستكتب قائلاً: "إنني دائماً أتحمل الناس" أو " في كل يوم يمر عليّ أصبح أكثر تحملاً " .. وهكذا في كل أمر، وبذلك نتحرر من قيود الأفكار السلبية وانعكاساتها على واقعنا العملي.

نموذج الاتصال

Nom

E-mail *

Message *

Traduction ترجمة

التسميات