آخر المواضيع

vendredi 13 février 2015

février 13, 2015

النظر إلى الأمام


يشعر الناس في أحيان كثيرة بالارتباك تجاه التعامل مع الأزمنة الثلاثة: الماضي والحاضر والمستقبل، فمنهم من يريد للمستقبل أن يكون صورة من الماضي، وإذا لم يكن كذلك، فإنه يشعر بالأسى، ومنهم من يغرق في الحاضر: متعه وملذاته وهمومه ومشكلاته، وليس لديه وقت ولا طاقة للنظر في ماض ولا مستقبل، ومن الناس من ضيع الحاضر طلبا لمستقبل لا يعرف كيف ومتى يصل إليه؟!

قد يقول أبنائي وبناتي: كيف نهتم بالمستقبل؟ ولماذا؟ وكيف نوازن بينه وبين الحاضر؟
والجواب على هذه التساؤلات يكمن في المفردات الخمس الآتية:
1 ـ إن الله تعالى أوصانا أن ننظر إلى الأمام وأن نرقب الغد حين قال: {يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}(الحشر:11).. والحقيقة أن المسلم الملتزم مستقبلي من الطراز الرفيع؛ لأنه يضبط كل حركته وفق ما هو مطلوب للنجاة في الآخرة.. هذا هو الأصل، وعلينا أن نتشبث به.

المستقبل الحقيقي ـ أيها الأعزاء والعزيزات ـ ليس في الدنيا، وإنما في الآخرة؛ لأنه المستقبل الأبدي الذي يتلاشى معه الزمان، وهو متجدد إلى ما لا نهاية، وهذه الحقيقة يجب أن تظل متألقة في أذهانكم، اعقدوا العزم عند كل مشرق شمس أن يكون يومكم في سبيل الله، ومن أجل مرضاته، وبهذا تكونون عاملين من أجل المستقبل.

2 ـ تريدون مستقبلا مشرقا؟ المستقبل المشرق له طريق واحد، وهو أن تحسنوا القرارات التي تتخذونها اليوم، وأن تجعلوا حركتكم اليومية في الاتجاه الصحيح، والحديث عن مستقبل زاهر من غير واقع جيد وناهض عبارة عن خداع للنفس، وهو وهم كبير يقع فيه كثير من الناس.. هؤلاء الناس كثيرا ما يكون مستقبلهم عبارة عن علامة استهزاء بماضيهم، وهؤلاء كلما نضجوا وتحسن وعيهم ينظرون إلى أوضاعهم وتطلعاتهم السابقة باستخفاف، وكل ذلك بسبب عدم الاهتمام بالحاضر على النحو المطلوب.

3 ـ حاولوا يا أعزائي وعزيزاتي، أن تمتلكوا أعلى درجة من وضوح الرؤية، حددوا أهدافكم بدقة، واجتهدوا في معرفة الطرق الموصلة إليها، ولتكن تلك الأهداف وسائل لبلوغ الهدف الأسمى وهو الفوز برضوان الله تعالى..

من غير تحيد للأهداف الجادة والواضحة فإن أقواتكم ستضيع سدى، كما هو شأن كثير من شباب الأمة، كما أن الطاقات الهائلة التي تمتلكونها ستظل كامنة هاجعة، وستجدون أن الحديث عن (تطوير الذات) شيء لا معنى له..

إن الاستفادة من الوقت والعمل بأقصى طاقة من الأمور الشاقة على النفس، فإذا لم يكن لدينا هدف عزيز نؤمن به بقوة فإننا لن نضحي، ولن نجاهد أنفسنا، ولن نضغط عليها. أضيفوا إلى هذا أننا من غير أهداف واضحة سنجد أنفسنا منجذبين إلى أداء الأشياء السهلة ـ وأحيانا التافهة ـ عوضا عن الاشتغال بالأمور المهمة والعظيمة.

4 ـ بعض الناس ـ يا أبنائي وبناتي ـ يعيش حاضره، وهو في حالة ذهول عن نفسه: إنه لا يستمتع بالأشياء التي بين يديه، وكلما توفر معه مبلغ من المال وضعه في مشروع جديد مع التقتير على نفسه وعلى أسرته، وكل ذلك من أجل المستقبل، وحين يترك مرحلة الشباب خلف ظهره سيشعر بأن قدرته على الاستمتاع بما جمعه من مال وبما لديه من متاع قد تراجعت إلى أبعد الحدود.. وهذا الفريق ينطبق عليه تحذير من قال: "لا تكن مثل من يقضي الشطر الأول من حياته في اشتهاء الشطر الثاني، ويقضي الشطر الثاني في التأسف على الشطر الأول"!!.

عيشوا كل أيامكم في طاعة الله، ورفهوا عن أنفسكم في إطار المباح، ولا تضيعوا حاضرا من أجل مستقبل، ولا مستقبلا من أجل حاضر، وفي التوسط والاعتدال يكمن الكثير من الأشياء الجميلة.

5 ـ هناك خطور في أن يكون نظرنا إلى المستقبل واهتمامنا به عبارة عن هموم جاثمة على صدورنا ومخاوف تجتاحنا، وخواطر سوداء تزعجنا وتقلقنا، وهذا ما يحدث فعلا كلما سيطر علينا الكسل والغموض والفوضى.

فلنحارب هذا الثالوث النكد، حتى يتحول المستقبل إلى مصدر للأمل وحافز على العمل، وإلى مرشد نحو الطريق القويم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب "50شمعة لإضاءة دروبكم

février 13, 2015

المرأة في تاريخنا ليست مجرد " عفة "

ربما تصيبنا الحيرة في بعض الأحيان, والخجل في أحيان أخرى, حينما تتم المقارنة بين حال المرأة في التاريخ الإسلامي, وبين ما وصلت إليه نظيرتها الغربية, من فاعلية وتأثير ومشاركة في حركة المجتمع.

وأقصى ما نستطيعه في هذا المجال, هو المقارنة بين عفة المرأة المسلمة, وكيف أن الإسلام حفظها وحافظ عليها, بينما فرطت الغربية في عفتها وذبح شرفها في مذابح علب الليل الماجنة.
وهو استدلال وجواب غير صحيح , وفي غير محله, ويشوبه العوار من أكثر من ناحية..
الناحية الأولى, أننا نقر بهذا الجواب انزواء المرأة المسلمة عن حركة التاريخ, وأنها تفرغت لتربية الأولاد والعناية بشئون الزوج والبيت, وفقط, وهذا غير صحيح بالمرة, فلم تكن المرأة كذلك, في عهد النبوة, ولا فيما تبعه من عهود الخلافة الراشدة , مع تعظيمنا لهذه الأدوار كلها.
الناحية الثانية, أننا نقلل من حجم المرأة ودورها في التاريخ الإسلامي, وننظر إليها فقط من منظور العفة وفقط, ولاشك أن العفة تاج رأس المرأة, ولا تضارب أو تعارض بين الحفاظ على العفة والطهر, وبين المشاركة والفاعلية في حركة الحياة والمجتمع, وهو ما كان عليه حال المرأة.
وقد آثرت أن اثبت خطأ هذا التصور, بكافة تفاصيله, بوقائع من التاريخ الإسلامي ذاته, منذ عهد النبوة والخلافة الراشدة, وما بعد ذلك, لنؤكد أن دور المرأة في التاريخ ليس من فصل واحد هو عهد النبوة , ثم انقضى إلى حال سبيله, فهو دور ممتد عبر التاريخ الإسلامي, ولم ينزو إلا في عهود التخلف والجمود العقلي والفقهي معا.
فقد ضربت المرأة المسلمة في عهود الإسلام الأولى أروع الأمثلة ، وبرزت في مجال التجارة والجهاد والعلم حتى رأينا الشاعرة والفقيهة, وكانت شريكة الرجل في صناعة المجتمع والدفع عن الإسلام وتبليغ الدعوة.
ولعلنا نتذكر ما قامت به السيدة خديجة – رضي الله عنها – مع الرسول صلى الله عليه وسلم حيث دثرته وأذهبت الروع عنه، وقالت قولتها المشهورة:”تالله لن يخذلك الله أبدًا، إنك لتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الدهر”. ومن مفاخر السيدة خديجة أيضاً أنها كانت مثالاً للمرأة العاملة في الميدان الاقتصادي كتاجرة بمالها، ولم تبخل بذلك المال في سبيل الدعوة إلى الإسلام.
وهذه أسماء بنت أبي بكر ذات النطاقين التي قامت في ريعان شبابها بدور الفدائية, إذ كانت تحمل الطعام والشراب كل مساء متسللة تحت جنح الظلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبيها رفيقه في الغار حتى لا تراها عيون المشركين المتربصين بهما، والهول يتهددها في كل لحظة.
وهذه أسماء بنت يزيد تجاهد وتغزو وتقتل تسعة من الرُّوم، فقد روى محمد بن مهاجر، وأخوه عمرو، عن أبيهما، عن أسماء بنت يزيد قالت: قتلت يوم اليرموك تسعة. وكذا أم سليم الرُّميصَاء تتجهز بخنجرها للأعداء يوم حُنَيْنٍ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ: «مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ» فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَجُلاً وَأَخَذَ أَسْلابَهُمْ وَلَقِيَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ وَمَعَهَا خِنْجَرٌ، فَقَالَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ مَا هَذَا مَعَكِ؟ قَالَتْ: أَرَدْتُ وَاللَّهِ إِنْ دَنَا مِنِّي بَعْضُهُمْ أَبْعَجُ بِهِ بَطْنَهُ، فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ أَبُو طَلْحَةَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
وفي عهود ما بعد الخلافة الراشدة, نجد سودة بنت عمارة بن الأشتر الهمدانية تقوم بدور سياسي نيابة عن قومها, حينا دخلت على معاوية بن أبي سفيان شاكية، فقالت: يا أمير المؤمنين أنت للناس سيد ولأمورهم مقلد. والله سائلك عما افترض عليك من حقنا. ولا تزال تقدم علينا من ينهض بعزك ويبسط بسلطانك فيحصدنا حصاد السنبل ويدوسنا دياس البقر ويسومنا الخسيسة ويسألنا الجليلة. هذا ابن أرطاة قدم بلادي وقتل رجالي وأخذ مالي، ولو لطاعة لكان فينا عز ومنعة، فإما لو عزلته فشكرناك وإما لا فعرفناك. فقال معاوية: اكتبوا إليها بالإنصاف لها والعدل عليها. فقالت: إلى خاصة أم لقومي عامة؟ قال: وما أنت وغيرك؟ قالت: هي والله إذن الفحشاء واللؤم؛ إن كان عدلاً شاملاً، وإلا يسعني ما يسع قومي. قال اكتبوا لها بحاجتها.
وتقوم أسماء بنت أبي بكر بدور رائد في المعارضة السياسية, حينما دخل عليها الحجاج بن يوسف الثقفي بعد ما قتل ابنها عبد الله بن الزبير – وقد صلبه على جذع فوق الثنيّة- فقال: أرأيتِ كيف نصر الله الحق وأظهره فقالت: ربما أديل الباطل على الحق وأهله وإنك بين فرثها والجنة فقال: إن ابنك ألحد فى هذا البيت، وقد قال الله تعالى: “ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ندقه من عذاب أليم” وقد أذاقه الله ذلك العذاب الأليم، قالت: كذبت كان أول مولود فى الإسلام بالمدينة، وسُرَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحنَّكَه بيده وكبَّر المسلمون يومئذ حتى ارتجَّت المدينة فرحًا به، وقد فرحت أنت وأصحابك بمقتله، فمن كان فرح يومئذ بمولده خير منك ومن أصحابك، وكان مع ذلك برًّا بالوالدين صوَّامًا قوَّامًا بكتاب الله معظّمًا لحرم الله؛ يبغض من يعصي الله عز وجل، أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لسمعته يقول: سيخرج من ثقيف كذّابان الآخر منهما شرٌّ من الأول، وهو مبير فانكسر الحجاج وانصرف.
وفي مجال العلم نجد عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية الفقيهة، تربية عائشة وتلميذتها، روى القاسم بن محمد أنه قال: أتيتها -لطلب العلم- فوجدتها بحرًا لا ينزف، وكثير من الفقيهات على مرّ التاريخ ذُكرن في كتب أهل العلم، وتراجمهن معلومة أمثال: فاطمة أمّ البنين النيسابوريّة، وفاطمة بنت القاسم، وخديجة بنت الحسن، وغيرهن الكثير.
وقد تواترت تراجم النساء في ذكر أسماء عديد من النساء اللواتي رحلن، وحصلن على إجازات علمية من كبار مشايخ العصر في مختلف المدن، من ذلك ما يرويه الحافظ الكبير ابن عساكر في ترجمته لفاطمة بنت سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصاري الأندلسي من أنها ولدت في البحرين، ورحل بها أبوها إلى أصفهان، فسمعت بها من العالمة فاطمة بنت عبدالله الجوزادنية، ثم قدم بها بغداد، فسمعت من جماعة من كبار العلماء، ثم قدمت دمشق مع زوجها علي بن نجا الحنبلي، وسمع منها بعض طلبة الحديث. وأشار إلى أنها: “كانت تعظ النساء في المساجد”.
وقد تكرر ذكر العلماء الأعلام لعديد من النساء العالمات اللائي تلقوا على أيديهن، أو أنهن أجزنهم في علم من العلوم، فتكرر لديهم عبارات: أخبرتنا فلانة أو سمعنا من فلانة كثيرا من خلال ترجمة إحدى النساء العالمات، أو سرد حديث من الأحاديث الشريفة، كان من هؤلاء الخطيب البغدادي، والحافظ ابن عساكر، وابن حجر، وغيرهم من العلماء .
وبرز من النساء , كذلك, من أتقن علوما إنسانية كالرياضيات والفلك والطب والصيدلة، وغير ذلك من العلوم ، وكن مثالا في التعلم ونشر العلم بمختلف الوسائل المتاحة لهن, وقد نتج عن ذلك أن نبغ في ديار الإسلام عدد كبير من النساء العالمات في مختلف علوم العصر، وكان لهن أثر واضح في إثراء الحركة العلمية في تاريخنا الإسلامي على مر عصوره.
ومما عنيت به المرأة المسلمة من العلوم: علم الطب الذي لم يقتصر النبوغ فيه على الرجال، بل كان لعديد من نساء المسلمين أثر واضح فيه، فقد نبغ عدد منهن في صناعة الطب وممارسته عمليا.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل وصلت المرأة المسلمة في علم الطب وصناعته إلى مرتبة الرئاسة، وقد أشار إلى ذلك أحمد عيسى بك في كتابه: “تاريخ البيمارستانات في الإسلام” حينما قال:”فقد تخطى الاهتمام بالطب الرجال إلى النساء، فكان منهن طبيبات بارعات، بل كان منهن من تولت مشيخة الطب في حاضرة من أعظم حواضر الإسلام”، وهو يقصد بذلك: بنت الطبيب شهاب الدين أحمد بن الصائغ الذي توفي سنة (1036 هـ – 1626م) عن مشيخة دار الشفاء المنصوري بالقاهرة، ولم يخلف إلا بنتا تولت مكانه مشيخة الطب.
وكان للنساء أيضا مشاركة فعالة في تشجيع حركة التعليم في بعض عصور الإسلام عن طريق الإسهام بإنشاء المدارس ودور التعليم على اختلافها، ووقف الأوقاف القائمة بها، فثالث مدرسة أنشئت ببغداد في العصر العباسي كانت من إنشاء تركان بنت طراج الجلالية زوجة السلطان السلجوقي ملكشاه (ت487هـ – 1094م).

février 13, 2015

رمضان.. والمراقبة


ها هو رمضان قد جاء إلينا، واقبل علينا، وها هو سريعا يتسلل لواذًا من بين أيدينا، كما هي عادة الأيام الطيبة والأوقات المباركة، فإما أن ننتبه له وننتفع به، وننتهب الأوقات وإما سنتحسر عليه أشد الحسرة ونتندم على فواته وضياعه أشد الندم، حين ينفلت وينقضي ونجد أنفسنا في آخر الركب وأن كل الركب قد سبقونا إلى الله تعالى.. فإن رمضان سوق للتجارة مع الله قام ولا يلبث أن ينفض، فربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر، وهو مضمار سباق للطاعات سبق فيه قوم ففازوا وتخلف آخرون فخابوا كما قال الحسن رحمه الله.

وحتى تكون من الفائزين لا تصم صيام الغافلين.. بل لابد أن تتفكر في مقاصد الصيام لتحققها.. وقد اتفقت كلمة العلماء والعقلاء على أن الله لم يفرض العبادات على خلقه ليعذبهم بها أو لحاجته إليها، وإنما فرضها عليهم لمنفعتهم ومصلحتهم في دنياهم وآخرتهم.

إن للصيام مقاصد كثير ومنافع وفيرة.. ولكن من أنفعها للصائم ولكل مسلم هو إذكاء روح المراقبة في نفس الصائم، وهو الأمر الذي لو حققه المسلم عموما والصائم خصوصا لتغيرت حياته ولتغير حال الأمة برمتها.

إن أصل هذا الخلق موجود في كل صائم، وهو الذي يمنع العبد وقت صيامه حين يبلغ به الجوع والعطش مبلغه أن يمد يده ليأخذ جرعة ماء أو كسرة خبز حتى لو كان في مكان لا يطلع عليه أحد من البشر ولا يراه فيه أحد من الناس، وهو كذلك الذي يمنع الصائم من الطمع في الظفر بخلوة مع زوجته في نهار رمضان وإن بلغت به الشهوة مبلغها والغلمة مداها.. ذلك أنه يعلم أن الله مطلع عليه ويراه.. ثم يأتي الصوم ليذكي في نفس الصائم هذا الأمر ويزيده ويتعاهده لينتقل به إلى بقية مناحي الحياة.

معنى المراقبة
المراقبة هي علم العبد وتيقنه باطلاع الحق سبحانه وتعالى على ظاهره وباطنه..
والمراقب هو من يعلم أن الله عليه رقيب، ومن قلبه قريب، يسمع أقواله، ويرى أفعاله، ويعلم أحواله، وأنه مطلع عليه في كل وقت وحين، فيحمله هذا على أن يحفظ الله تعالى على مجاري الأنفاس، في كل لفظة وكل لحظة وكل خطرة.

قال ابن عمر: "لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يعلم أن الله تعالى يراه، فلا يعمل سرا ما يفتضح به يوم القيامة".
قال الإنطاكي: "أفضل الأعمال ترك المعاصي الباطنة. فقيل: ولم؟ قال: لأن الباطنة إذا تركت كان صاحبها للمعاصي الظاهرة أترك".

وهكذا كان السلف رضوان الله عليهم، فقد روي عن محمد بن سيرين – رحمه الله – كان يقول:
ما غشيت امرأة قط، لا في يقظة ولا في نوم، غير أمّ عبد الله (زوجته)، وإني لأرى المرأة في المنام فأعلم أنها لا تحل لي فأصرف بصري .
قال بعضهم: ليت عقلي في اليقظة كعقل ابن سيرين في المنام.
وفي أمثاله قال الشاعر:
يَقَظَـاتُهُ وَمَنَـامُهُ شَـرَعٌ .. .. كُلٌّ بِكُلٍّ فَهْوَ مُشْتَبَهُ
إِنْ هَمَّ فِي حُلْمٍ بِفَاحِشَةٍ .. .. زَجَرَتْهُ عِفَّتُهُ فَيَنْتَبِهُ

والمراقبة ثمرة من ثمرات الإيمان بالأسماء الحسنى كاسم الله العليم والسميع والبصير والرقيب والحسيب والشهيد.. ومن ثمرات الإيمان بكلام الله في قرآنه {وكان الله على كل شيء رقيبا}، {إن الله كان علي كل شيء شهيدا}، {إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}، {وهو معكم أينما كنتم}، {ألم يعلم بأن الله يرى}.. وأمثالها.
قال الشيخ حافظ حكمي:
وهو الذي يرى دبيب الذر .. في الظلمات فوق صم الصخر
وســامع للجـهر والإخفات ..  بسـمــعه الواســع للأصــوات
وعلمه بما بــدى وما خفي .. أحــاط علــما بالجـلي والخفي

قال ابن السماك لصاحب له يعظه:
أما بعد.. فأوصيك بتقوى الله الذي هو نجيك في سريرتك، ورقيبك في علانيتك، فاجعل الله منك على بال في كل حال في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك وقدرته عليك، واعلم أنك بعينه ليس تخرج من سلطانه إلى سلطان غيره، ولا من ملكه إلى ملك غيره، فليعظم منه حذرك، وليكثر منه وجلك.. والسلام.

وكان من وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأمته: [اتق الله حيثما كنت]، وكان من دعائه: [وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة]. وهو الذي فسر الإحسان ـ وهو على درجات الدين ـ بالمراقبة فقال: [أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك].

ثمرات المراقبة:
إنني أزعم أن العبد إذا بلغ هذه الدرجة وعاش معناها وعمل بمقتضاها فسيتغير كل شيء في حياته حتى يصبح من أتقى الناس لربه، وأخشاهم له، وأرضاهم عنده، وأقربهم منزلة لديه.

وهذه المراقبة يتغير بها حال الأمة التي تشكو قلة عمل أصحابها، وقلة ورع أتباعها، وسوء فعل شبابها، وكثرة تفلت أبنائها وبناتها.

إن العبد إذا راقب الله في عمله فسيتقنه وسيأتي به على أحسن وجه وحال، ليس فقط لأن هذا مطلب صاحب العمل ولكن لأنه أمر الله تعالى له ورسوله: [إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه].

والموظف سيؤدي مهام وظيفته وييسر أعمال الناس لعلمه أن الله يراه وسوف يسأله عن عمله وحقوق الناس.

والولاة الذين يتولون أمور الناس لن يكون في مقدورهم أن يظلموهم أو أن يستذلوهم أو أن يسيروا فيهم بغير رضى الله تعالى، ولن يكون أمامهم إلا العمل الطيب ورعاية أمور الرعية على أحسن وجه لأنهم يعلمون أنهم رعاة ومسؤولون أمام الله أولا وأخرا عن رعيتهم.

والذين يظلمون الخلق ويؤذون عباد الله سيتوقفون عن ذلك إذا راقبوا الله لعلمهم أن قدرة الله عليهم أعظم من قدرتهم على عباده.
حتى الزوج الذي كان يظلم زوجته أو يسيء إليها، والمرأة التي تسيء إلى زوجها، وكذا الابن العاق أو الإنسان القاطع للرحم، أو سيء الخلق أو المرتشي، أو المزور، أو الوالي الذي لا يتقي الله في اختيار ذوي الكفاءات وإنما يختار أصحاب المحسوبيات.. أو.. أو.

وحتى الشاب الذي كان يوما يتجرأ على الحرمات ظاهرة أو باطنة إذا استشعر علم الله به واطلاعه عليه وقدرته عليه أيضا فلن يقدر على أن يفعل المخالفة. والشاب الذي يخلو وراء الأبواب أو بعيدا عن أعين الناظرين لينتهك حرمات المسلمين أو يهتك أعراضهم لن يفعل، ولو تعرضت له حسناء لدفعها بدافع الخوف ممن لا يخفى عليه خافية.. كمثل ذلك الشاب الذي كان في عهد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذكر الإمام ابن القيم في روضة المحبين: كان عمر ينظر إليه ويعجب به، ويفرح بصلاحه وتقواه، ويتفقده إذا غاب، فرأته امرأة شابة حسناء، فهويته وتعلقت به، وطلبت السبيل إليه، فاحتالت لها عجوز، وقالت لها: "أنا آتيك به"، ثم جاءت لهذا الشاب وقالت له: "إني إمرأة عجوز، وإن لي شاة لا أستطيع حلبها، فلو أعنتني على ذلك لكان لك أجر" -وكانوا أحرص ما يكونون على الأجر- فذهب معها، ولما دخل البيت لم ير شاة، فقالت له العجوز: "الآن آتيك بها"، فظهرت له المرأة الحسناء، فراودته عن نفسه فاستعصم عنها، وابتعد منها ولزم محراباً يذكر الله عز وجل، فتعرضت له مراراً فلم تقدر، ولما آيست منه دعت وصاحت، وقالت: "إن هذا هجم عليّ يبغيني عن نفسي"، فتوافد الناس إليه فضربوه، فتفقده عمر في اليوم التالي، فأُتي به إليه، وهو موثوق، فقال عمر: "اللهم لا تخلف ظني فيه"، فقال للفتى: "أصدقني الخبر"، فقص عليه القصة، فأرسل عمر إلى جيران الفتاة، ودعى بالعجائز من حولها، حتى عرف الغلام تلك العجوز، فرفع عمر درّته وقال: "أصدقيني الخبر"، فصدقته لأول وهلة، فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف".

وقال محمد بن إسحاق: "نزل السَّرِيُّ بن دينار في درب بمصر، وكانت فيه امرأة جميلة فتنت الناس بجمالها، فعلمت به المرأة، فقالت: لأفتنّنه؛ فلما دخلت من باب الدار تكشفت وأظهرت نفسها، فقال: مَا لَكِ؟! فقالت: هل لك في فراش وطي، وعيش رخي؟ فجعل يدفعها إلى خارج البيت ويبكي ويقول:
وكم من معاص نال لذتها الفتى .. .. فمــات وخــلاها وذاق الدواهــيا
تمـر لــذاذات لمعاص وتنقضي .. .. وتبقى تبعات المعاصي  كما هي
فــيا ســوأتا والله راء وســـامع .. .. لعبــد بعــين لله يغــشى المعاصيا

إن رمضان يحدث ثورة في فكر الإنسان وفي فهم الإنسان وفي عمل الإنسان.. يحدث ثورة في الأمة التي لا تراقب ربها لتعود مرة أخرى لتعيش معنى الإيمان الحقيقي والإسلام الصحيح والارتباط القويم بربها الذي فرض عليها الصيام ليقوم مسيرة حياتها، وليرفع به ذكرها، وليعلي به قدرها.. فهل من صائم.

février 13, 2015

زواج على أرض الوهم


كانت فتاة في ريعان الشباب، سطرت حكايتها قائلة: أحب ديني وأغار عليه كثيرًا، وأحسن الله خُلقي وخلقتي فهو أحسن الخالقين، تربيت على الخوف من الله تعالى وعدم الإساءة إلى الناس، فقد كنا نعاقب عقابا شديدا من والديّ -جزاهما الله خير الجزاء- إن اعتدينا على أي إنسان، فتعلمنا بأن أجمل ما في الدنيا تقوى الله والحذر من الجور على حقوق الناس.. أعلم بأنه لو كان كلام بني آدم كله صدقاً وعمله كله حسناً يوشك أن يخسر عندما يعجب بنفسه، فوالله ليس عُجبا، ولكن سيتضح علة ما ذكرت في القادم من رسالتي.

أعمل في وظيفة طبية مرموقة، وتقدم لي الكثير، وكان من ضمنهم زوجي (طبيب، ومدير، عمره 50 سنة، خلوق متدين متزوج ولديه ثمانية أبناء).. خطبني ولم أوافق في بادئ الأمر لفارق السن الكبير بيننا ولأنه متزوج، كما أخبرت والدتي عنه وأخي فلم يوافقا مطلقا لأسباب أوجدها المجتمع وتشبع بها (علما بأن أبي في المستشفى مصاب بشلل كامل إثر حادث مروري) وأعمامي أيضا لن يوافقوا عليه أبدا أبدا.

قلت لامي ذات ليلة: إذا كان من نصيبي فسيعود مرة أخرى، وبعد ثلاثة أشهر خطبني مرة أخرى، ففكرت واستخرت واستشرت بعض الدعاة وبعض المستشارين النفسيين والاجتماعيين عبر البريد الالكتروني، وكانت خلاصة كلامهم بالموافقة خاصة أنهم استشعروا قناعاتي بالموافقة النابعة من عدم رد الزوج الصالح حتى ولو كان متزوجا أو فارق السن كبير.

كانت قناعاتي الشخصية أن التلاقي بين الأرواح وليس بين الأجساد، وأن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف، ولا يضر فارق العمر لأن عطاء الرجل يمتد بعكس المرأة، وهذه المسألة لا علاقة لها بالأعمار لأنها هبة من الله تبارك وتعالى، وقد تزوج نبينا صلى الله عليه وسلم عائشة وعاشت معه أجمل حياة.

ومما زاد من قناعتي به أنه رجل فيه سمات أهل الدين والصلاح- ولا أزكي على الله أحدا -بالإضافة إلى حسن خلقه، ومقياس القبول دلنا عليه أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام «الدين والخلق» فمن يرى بنور الله تعالى يؤيد قراري ويبارك لي فيه، أما من يعانون من الازدواجية الدينية فيأخذون من الدين ما يوافق هواهم ويرضي الناس عنهم بكل تأكيد لا شأن لي بهم.

كنت على قناعة أن الرجل الكبير يملك الخبرة في الحياة عامة والحياة الزوجية خاصة والتي تحتاج إلى العقل الراجح والحكمة، وأنا من البنات العقلانيات جدا، والزواج قرار مصيري، ونحن نرى الكثير من الشابات الصالحات الجميلات مطلقات ليس إلا بسبب زوج يستخدم أبغض الحلال لأتفه الأسباب ليكسرها ثم يرميها ويبحث عن أخرى أو لأن لديه زوجة ثانية.

وفي حواراته معي كان يرسم لي معالم طريق حياتنا المستقبلية القائمة على العدل والحكمة: (لك منزلك ولهم منزلهم) (سأساعدك على الدراسة).. وحدد إخبار أولاده وزوجته عن زواجنا بعد الزواج بأسبوع ليضعهم أمام الأمر الواقع.

بعد ذلك طلب مني أن أستقيل من وظيفتي، وأقطع علاقاتي بكل زميلات العمل، وأصر على ذلك.. ترددت لكن وافقت مؤخرا لأنه سيوفر لي حياة كريمة، واقترح أن أتناول دواء لمنع الحمل في بداية الزواج إلى أن تستقر حياتنا فوافقت.

بعد الزواج بشهر ذهبت إلى أهلي أسبوع لظروفه ثم أرسل لي رسالة: (أخبرت زوجتي، وهي في حالة سيئة جدا، فادعي لها بالثبات) وبعدها بأيام قليلة أرسل رسالة أخرى: (أخشى على عقل ودين زوجتي، وأنتي صبرتي كثيرًا، اسأل الله أن يكتب لك الخيرة المباركة)!!

انهرت وصدمت وذهلت وبكيت ولم استطيع النوم، فلم يتصل ولم يرسل لي أي كلمه ليعتذر مني أو ليطمئن علي!! بل أرسلت له عدة رسائل فلا مجيب.. ثم تقابلنا، وأنا التي طلبت أن أراه وليس هو، وكانت معي والدتي لوضعي الصحي، فقلبي كان ينبض بشدة، وأشعر بألم شديد في صدري!!

أتى زوجي بوجه آخر لا أعرفه .. عيناه كسيرة في الأرض، وصوته منخفض، يتكلم معي وكأنه لا يعرفني.
قال لي: زوجتي تركت لي المنزل، وحالتها سيئة، بالإضافة أن لدي ثلاثة أطفال معاقين عقليا، ولم أخبرك مسبقا، وأمهم تتعب معهم، وأنا بصيص أملها في هذه الحياة.

لم يطلب مني الصبر أو التنازل عن بعض حقوقي، بل كان يريد الانفصال، فكان آخر الاتفاق أنه سيقول لزوجته بأنه طلقني ويبقى زواجنا بالسر!! متفضلا ومتكرما علي.. في تلك اللحظة لم يكن نصب عيني إلا أن أحفظ نفسي من مقالة السوء!!
ثم خرج وتركني أنا ووالدتي بآلامنا وأحزاننا وحرقتنا في شقة الزوجية التي لم تكن لي سوى منفى أبكي واشكي وأخاف وأتألم فيها وحدي !!

بعدها بأيام سألته هل فعلا سنعيش بهذه الطريقة؟ هل سيأتي يوم وتتركني؟ قال لي: والله لا استطيع أن أوعدك بشيء، لكن إذا مللت أخبريني! ولو أردت مالا تعويضا لك أنا مستعد!.. كان يتكلم معي وهو ينظر إلى نفسه في المرآة بكل بساطة وعدم مبالاة!

مرت الليالي والأيام وهو يتكرم علي بأن يبقى عندي من العصر إلى أذان العشاء، أما الأجازات الرسمية والأعياد وأجازة نهاية الأسبوع فلا حق لي فيها!.. تأقلمت مع الأيام، وعودت نفسي أن أطفئ غيظ قلبي بالصبر والقناعة.

عشت معه زوجة بلا مميزات ولا حقوق، وعندما أذكره بحقوقي أو أتكلم عن مستقبلنا يتغير ويتهرب كأنني لست زوجة له.. عشت في دوامة كبيرة، ولم أعد أفرق بين قبوله لي أو رفضه!! كل ما أدركته في هذه الدوامة أنني كنت مجرد نزوة عابرة، وفريسة سهلة، خدعها بحجة إباحة التعدد التي شرعها الإسلام، وفهمها البعض خطأ، واستغلوها أسوأ استغلال، دون أدنى اعتبار لمشاعر الإنسانة التي انخدعت بهم.

تسابقت الأيام إلى أن وصلت إلى مرحلة حرجة في التفكير وتحليل الأمور، لدرجة أنني أصبحت أفرح كثيرا عندما يقوم بأبسط الواجبات التي يقوم بها الزوج لزوجته، وأعتبرها اهتمام وحب وبشائر تغيير للأفضل، فقد طلب مني أن أكتب له مستلزمات المنزل ليحضرها، وأحضر لي مدفأة صغيرة وساعة صغيرة.. اعتذر عن هذا الجنون لكن صدقوني وصلت إلى هذه المرحلة المؤلمة!

وعدني قبل الزواج بأن يساعدني أن أكمل دراستي، وبعد الزواج طلب مني أن أبحث عن سائق بمحرم ليوصلني.
قال لي قبل الزواج: (الطيبة تأسرني جدا.. لا استطيع النوم إذا أكرمني شخص بطيبته!)
قال لي قبل الزواج: (أنا الطلاق عندي كأنه محرم، ولا أفكر فيه أبدا)
لكن لم أر بعد الزواج إلا عكس ذلك!
الآن أشعر بأنه عدو يتربص بي لينتقم مني ويقهرني! أو كأنه يعاقبني لأنني تزوجته وصدقته ووثقت به! خاصة أن لديه حرصا شديدا على تناولي حبوب منع الحمل.

تلك كانت ورطتي مع صنف غريب من البشر اعتادوا التصنع والتسربل بسربال الدين والنظر إلى حقوقهم وامتيازاتهم دون الالتفات إلى واجباتهم والتزاماتهم.. صنف غريب من الناس لا تؤثر فيه الطيبة ولا تردعه العشرة بالمعروف، بل ليس عندهم أدنى رغبة في تعديل المسار وتدارك الخطأ.. تتعدد فرائسهم، وتكثر مظالمهم، وينجرفون مع نزواتهم انجرافا أعمى لا يلوي على شيء.. يتقنون لغة الفضائل ويفشلون في تطبيقها في واقعهم، بارعون في التنكر، ونصب شباك السجايا لتقع الضحايا من أجل متعتهم الشخصية فقط. 

février 13, 2015

شخصيتك وأثرها في حل المشاكل

من رحم المحنة تكون المنحة، لكن الأمر يتطلب «صبر وبصر».. صبر على البحث والتفكير في الخروج من المشكلة، وبصر نافذ يلمح الحل وسط ظلمات الألم وأشواك المآسي، وهذا ما يميز الأفذاذ عن غيرهم، فاستيعاب الصدمة وتلمس الحل هو الفارق الحقيقي بين النجاح والفشل، فالمشاكل لن تنتهي وستستمر إذا وجدت منا فكرا مغلقا وبصرا لا ينظر إلا تحت الأقدام.

من الفروق الهامة بين الشخصية الناضجة والشخصية السطحية، أن الشخصية السطحية تتسم بقدر من «القصور الذاتي» بمعنى أنها تظل في حركتها متأخرة عن متطلبات الواقع، فأثناء عملها ترتكب أخطاء وتواجه مشكلات، ولكن حركتها في معالجة تلك الأخطاء والمشكلات تظل بطيئة وتأتي متأخرة، بسبب ضحالة رصيدها من الشفافية والمرونة. هذا فضلا عن أنها تعجز عن إقامة حواجز بين التصلب الممدوح الذي يتمثل في الثبات والتمسك بالعقائد والمبادئ والمفاهيم الكبرى، وبين التصلب الذهني المذموم الذي يتمثل في نقص المرونة الذهنية، واعتناق بعض المفاهيم الخاطئة التي تجعل المرء فاقد للرشد الفكري.
السطحيون يتجنبون دوما مواجهة مشاكل الواقع على عكس الناضجون الذين يواجهون الواقع بتلهف مدركين أن أسرع الطرق لحل أي مشكلة هو التعامل معها بشكل حازم وفوري.. فالناضجون يتحدون مشاكلهم، بينما السطحيون يتهربون منها أو يتجاهلونها.

وعندما لا تسير الأمور وفق ما يتوقعه الشخص السطحي فإنه يضرب بقدميه الأرض سخطا وتذمرا، ويحبس أنفاسه ويبكي أو يتحسر على قدره، أما الشخص الناضج - في المقابل - فإنه يفكر بطريقة مختلفة، وباتجاه مختلف، ويستمر مواصلاً حياته الطبيعية بحلوها ومرها.
كما أنه عندما يُحبط أو يخيب أمل الشخص السطحي فإنه يبحث عن شخص ليلومه، بينما الشخص الناضج يبحث عن حل.. فالأشخاص السطحين يهاجمون الآخرين، بينما الناضجين يهاجمون المشاكل، ويستخدمون غضبهم كمصدر لطاقة التحرر من الأزمات، وحين يشعرون بخيبة الأمل أو الإحباط فإنهم يضاعفون جهدهم لإيجاد حلول لمشاكلهم.

إن النجاح ليس دائماً وليد الأفكار الثورية الضخمة، فكثيراً ما يكون مفتاحه فكرة بسيطة. والعقبة الرئيسية التي تعيق التطور الطبيعي للحياة هي «الأفكار المتحجرة» التي نفرضها على أنفسنا، فالبساطة صفة من صفات الحقيقة التي تتدفق من الداخل إلى الخارج، تحفزنا على التطور. وكل ما تحتاجه البساطة هو الصدق والمرونة والشفافية ليتفتّح الحس السليم وتتدفّق النوايا الحسنة وتتفجّر الثقة بامتلاك قوة العزم التي لا رجوع إلى الوراء بعد امتلاكها بتوفيق الله تعالى وتسديده.

التفكير السليم

يرى علماء النفس أنّ التفكير بالمشكلة يمرّ بأربع مراحل حتّى يتمكّن المرء بشكل عام من حلها:
1- مرحلة الاعتراف بالمشكلة، فبعض الناس أزمته أنه لا يريد أن يعترف أنّ هناك مشكلة أصلا، ولا يحاول أن يتفهّم طبيعتها، وبذلك يصعب عليه علاجها.

2 - مرحلة توليد الأفكار والفرضيات، فنضع احتمالات للحلّ على كثرتها وتنوعها.

3- مرحلة اختيار الفرضية المناسبة، فنرجّح إحدى الفرضيّات على أنّها هي الكفيلة بحل المشكلة ونعتمدها.

4- مرحلة التقويم من أول بدء العمل بها وحتى الوصول للإنجاز المطلوب، فالتقييم المستمر يضمن لنا التعديل الفوري إذا أخفقنا في أي مرحلة، وبذلك نوفر الوقت والجهد، ونخرج من الكبوة بأقل كلفة.

لكنّ هذه المراحل ـ كما يرى آخرون ـ ليست حتمية، أي ليس بالضرورة أن نستحضر الخطوات الأربع حتّى نصل إلى الحل، فقد يمكن التوصّل إلى الحلّ بإتباع بعضها، وبصفة عامّة فإنّنا نحتاج إلى تحديد المشكلة بالكشف عن أسبابها الرّئيسة والثانويّة، ودوافعها الكامنة، وأن نعالج الأسباب لا المظاهر، وقد نحتاج في ذلك إلى تعاون أصحاب التجربة ممّن نثق بهم ويُخلصون إلينا، أما الانكماش فإنه لا يحلّ المشكلة إنّما يضيف إليها مشكلة أخرى، ولذلك فنحن حينما ندعو إلى مواجهة مشاكلنا إنّما ننطلق من الترحيب بأيّة مشكلة تعصف بنا، لأنّها تستنفر أنبل وأفضل ما فينا من قوى روحيّة ونفسية وبدنية كامنة، وفي الحديث: [لمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم](صحيح الجامع:651).

إن أصحاب الطبيعة النفسية المعقدة لا تأتي سلوكياتهم بما تحب حتى لذاتها، لأنها في كثير من الأحيان تتحرك بالاندفاع أو بردود الأفعال بدلاً من التخطيط المسبق والنوايا الحسنة، ولا شك أن لهذه المسألة دورا كبيرا في كافة المجالات الإنتاجية والتنموية، لأن صاحب الطبيعة الصعبة - بقدر صعوبة مزاجه وتعامله - يعكر صفو العلاقات ويعكر آلية التعامل ويُعقَّد طرق تنفيذ المشاريع صغيرة كانت أم كبيرة، فهو من تعقيد إلى تعقيد. فما أحرى بنا أن نتبسط لكي تنبسط لنا الحياة، قال – صلى الله عليه وسلم-: [ألا أخبركم بمن تحرم عليه النار غدا؟ على كل هين لين قريب سهل](صحيح الجامع:2609)

février 13, 2015

الجنس الإلكتروني .. بوابة الضياع


مما لا شك فيه أن الإنترنت باتت من أهم إنجازات الثورة الرقمية المعاصرة، لما وفرته من سهولة الاتصال بين أقطاب المعمورة، مما أثر إيجابا على كافة النشاطات المعلوماتية والاقتصادية والاجتماعية، بل ويتوقع للإنترنت أن تصبح أسلوباً للتعامل اليومي، ونمطاً للتبادل المعرفي والتجاري خلال السنوات القليلة القادمة، إلا أن كل هذه الانجازات لا تخفي الوجه الكالح الآخر للإنترنت فيما يعرف بالجريمة الالكترونية والجنس الالكتروني.

فمع الانفتاح السريع الذي دشنته الثورة التكنولوجية في مجال الاتصال، استطاع الإنترنت أن يطرح نفسه وبقوة، بديلا موضوعيا وغنيا عن المجلات والأشرطة، وصار بإمكانه توفير مساحات أوسع للباحثين عن معرفة شبقية متعذرة.. لقد صار بالإمكان الآن الحديث عن «عولمة الجنس» فالمواقع الإباحية على الشبكة تتناسل كالفطر مشكّلة أكبر سوق للجنس عرفه التاريخ الإنساني، كما أن أرباحها تتضاعف ملايين المرات، مما يوضح حجم الزبائن الضخم عبر العالم.

ويرصد أحد المحللين تلك الظاهرة حيث يقول: لقد شكلت «مقاهي الإنترنت» منذ ظهورها وانتشارها، فضاءات لاستقطاب العديد من المراهقين والمتراهقين، الباحثين عن زمن افتراضي متحرر من كل أشكال الضبط والرقابة الاجتماعية، خاصة بعد تناسل أخبار عن بعض زبائن «الشات» الذين تمكنوا من العبور إلى جنة الشقراوات الأوروبيات عبر علاقات افتراضية تحولت إلى زواج فعلي، مما وفر «لغرف الدردشة» زبائن مدمنين على «الشات» يقضون الساعات الطوال وراء شاشة الحاسوب بحثا عن صدفة قد تقلب شروط العيش. ولأن زمن المعجزات قد ولى، فكذلك زمن الصدف، ليتحول البحث إلى إدمان على لعبة غير محددة الأبعاد، لعبة أشبه بكرنفال التنكر، الكل فيها مقنّع، والكل فيها مطارد، ولا تنتهي إلا كي تبدأ مع كل جلوس أمام الشاشة الصماء.

توضيح وتعريف
الزنا الإلكتروني.. الزنا العقلي.. الجنس الافتراضي.. الفاحشة الإلكترونية.. الجنس الشفوي.. الدعارة الإلكترونية.. السيبرسكس شات... تتناسل التعريفات وتختلف لتلتقي عند وصف ممارسة جنسية شاذة، خارج المحددات والضوابط الاجتماعية والدينية والطبيعية، أي ممارسة جنسية مع شريك مجهول، متغير أو ثابت عبر الدردشة الإلكترونية، عن طريق تبادل الجمل المثيرة، والكلمات الساخنة المفعمة بالإثارة الجنسية، إضافة إلى تبادل الصور الماجنة، وتختلف العملية حسب تطور التقنية المستخدمة في التواصل، ابتداء من الكتابة، إلى ما تقدمه الكاميرا المتصلة بالحاسوب و«المايك» من إمكانية رؤية وسماع الآخر، وربما «التعري» قصد تقريب العملية الجنسية إلى الواقعية دون الوصول إلى الملامسة الجسدية.

كما برزت ظاهرة «بيع الجنس» عبر الشات أو ما يتعارف عليه بـ «الكام» وكذلك عبر خدمات الهاتف الجوال وغيره، مقابل شحن بطاقة جوال بدلاً من النقود، حيث تقوم بعض بائعات الهوى باستغلال غرف الدردشة والشات بنشر أرقامهن والبريد الالكتروني لمن يرغب بالحديث عن الجنس أو مشاهدة الاستعراض الجنسي لأجسادهن.

وهم الأمان
الجنس الالكتروني من الأمور التي انتشرت مع انتشار الإنترنت، وخاصة في أوساط الشباب غير القادرين على الزواج، كما أنه تعدى إلى المتزوجين الذين قد لا يجدون المتعة مع زوجاتهم أو حتى مع أزواجهن، بل يسعى البعض إليه من باب الترفيه عن النفس وإشباع الغريزة الجنسية، ظنا أن فيه استمتاعا بلا مشاكل حقيقة كالزنا، أو الارتباط الحقيقي بين شاب وفتاة، أو ما قد ينجم عن العلاقة المباشرة من حالات إجهاض أو فقد عذرية الفتاة، أو انتقال بعض الأمراض كالإيدز أو السيلان أو غيرهما من الأخطار الصحية والاجتماعية التي تنجم عن العلاقة الجنسية المباشرة بين الجنسين.

وقفات مع المتورطين
• دخول الإنترنت في حياتنا كشف لنا حقيقة أنفسنا أمام أنفسنا، فحين غاب الرقيب ظهرت بواطننا وما يدور بداخلنا؛ فظهر بوضوح فينا كمّ الكذب والخداع والخيانة والجنس وقصص الحب المزيفة... إلخ، ورغم كل تلك البشاعة إلا أنني أراها فرصة وليست أزمة؛ لنتمكن من إصلاح أنفسنا بصدق، وعن بيّنة ومعرفة تامة بدواخلنا بدون أي رتوش أو مغالطات.

• الجنس احتياج فطري وطبيعي خلقه الله سبحانه بداخلنا لنتقارب ونتزاوج، ولكي يحدث ذلك لابد أن يتم بضوابط ويتم برضا وبشرع الله سبحانه، والجنس ما أجمله حين يرتبط بمشاعر حقيقية وحب بين زوجين، وما أقبحه حين يتحكم فينا {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ}[الجاثية:23].. يأمر فيُطاع، ويصبح هدفا في حد ذاته، فنتحول لبهائم {وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ}[الأعراف:176].. بهائم نمارس الجنس مقطوعاً من المشاعر مع أي سائر في الطريق، حتى لو كان الطريق هو شارع الإنترنت غير المرئي.

• الجنس الإلكتروني بوابة الشر لإدمان العادة السرية وإدمان الأفلام الإباحية والوقوع في فخّ مشاهدة ما لا تتصوره فانتبه، فالمعصية ولود، والنفس لا تقنع، والهوى متجدد، وما يغريك اليوم لا يحركك الغد ومن ثم تطلب المزيد من الشهوة والشذوذ.

• الجنس الإلكتروني سيفقدك براءة الإحساس، وبراءة الشوق، ولذة العلاقة الجنسية الحقيقية بينك وبين زوجتك أو مع زوجك فيما بعد؛ لأن الجنس الإلكتروني يقوم على التخيلات والإثارة بطرق غير واقعية، تجعل من يقع فيها غير راضٍ بعد ذلك عن العلاقة الطبيعية الفطرية.

• ما تقوم به يفقدك الكثير من طاقتك وجهدك وتفكيرك، وأصعب ما تفقده معه هو فقدك لاحترامك لنفسك وضغط الشعور بالذنب، وهو ما سيُوقعك -شئت أم أبيت- في حالة نفسية سيئة، قد تدفع لها ثمناً أنت لست مستعدا له إطلاقاً، ففرصتك الآن في تقوية إرادتك ومقاومة هذا الغول الذي يريد التهامك، ولن يتمكن منك كلما قاومت وقطعت نفسك عنه بالكلية وشغلتها عنه وحسمت أمرك.

• دع شعارات الخوف على الطرف الآخر، والوعود بالالتزام والاحتشام معه أثناء التواصل، واقطع صلتك بهذا الأمر تماما.. أعلم جيدا أن ألم الفراق للحبيب يكون أكثر من ألم الكي، ولكن ما تمارسه مع هذه الصديقة المزعومة ليس حباً وليس له أي علاقة بنسيان قصة الفراق، ولا يحمل أي نوع من المشاعر، ولكنه بصراحة جنس خالص ليس فيه أي شيء سوى القذارة، والسرقة، وممارسة العادة السرية، والزنا مع امرأة غريبة.

• خذ زمام المبادرة.. انقل جهاز الكمبيوتر من غرفتك الخاصة إلى أي مكان مكشوف في البيت حتى لا تحدّثك نفسك بالقيام بهذا الأمر مرة أخرى، فيصعب عليها إرغامك، وقلل دخولك على الإنترنت قدر إمكانك خصوصاً في تلك الفترة.

• نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.. اشغل وقتك في أمور مفيدة ومفضلة لديك، ولو بسيطة أو حتى تافهة من وجهة نظرك؛ فشغل الوقت والانشغال من الأمور التي ستحميك من نفسك الأمارة بالسوء.

• اقترب من الله سبحانه أكثر من هذا، واطلب التوبة والاستعانة به على نفسك، وابتغاء رضاه وتذوق حلاوة القرب والطاعة.

• احرص على تكوين صحبة مختارة من رواد المسجد الذي تصلي فيه، فالطبع لص، والمرء على دين خليله، ومخالطة الفضلاء والصالحين تدفع النفس للتشبه بهم.

• قيم ذاتك بدقة، وضع طريقة للثواب والعقاب معها، ففي كل مرة تنجح في المقاومة كافئ نفسك بأمر محبب لك أو كنت تتمنى الحصول عليه منذ فترة، فهذا من شأنه أن يدعم رغبتك في الاستمرار والشعور بالفخر والاحترام، وعلى العكس كلما وقعت في الأمر عاقب نفسك بحرمانها مما كنت ستقدمه لها، ولا تيأس وتقول: أنا فشلت.. أنا سيئ، ولكن قل: لا بأس سأكرر مرات النجاح من جديد، وسأكون أفضل. واعلم أن الله غفور مسامح، ويعلم صدق نيتك ورغبتك في الكف عما تقوم به.

• اقترب أكثر من أسرتك ووالدك وأهلك، فإن لم يكن لهم وجود بحياتك فتذكر أننا أنفسنا الذين نقرر من يقترب ومن يبتعد بتصرفاتنا وبما نمنحه لهم من مساحة قرب وبفهمنا لهم ولشخصياتهم، فابدأ أنت بفتح ذراعيك لأسرتك وستجد من بينهم حباً وحناناً لا تتصوره. 

février 13, 2015

9 خطوات للنجاح

يتساءل بعض الناس لماذا يستطيعون النجاح في بعض أهدافهم دون البعض الأخر؟ 

إذا كنت تفكر في مثل هذا السؤال فسوف نحاول الإجابة عليه في الخطوات التالية، ولا تقلق من التفكير في مثل هذا فأنت لست أقل شأنًا من الأشخاص الناجحين؛ فهم يفكرون في مثل هذا السؤال أيضا.. فالسؤال عن تجارب الماضي والتفكير فيها بشكل عقلاني وعلمي للاستفادة من الأخطاء ليس عيبًا أو تفكير الفاشلين كما يمكن أن يظن البعض.

إليكم بعض الخطوات المهمة التي يمكن تتبعها والاعتماد عليها في تحقيق أهدافك في المستقبل:
1. كن مُحَدَّدًا:
عندما تختار لنفسك هدفًا اجعله قدر الإمكان محددا وواضحا في مجال معين.. "مثلا سأفقد بعض الوزن"؛ لأن تحديد الهدف يعطيك فكرة واضحة عن النجاح وما تريد تحقيقه، كما أنه يجعلك متحمسا لعمل ما يتطلبه تحقيق هدفك ووضع خطوات واضحة للوصول إليه.

2. اختيار اللحظة المناسبة لتحقيق هدفك:
كل منا يومه مشغول بحياته وعمله، وكل الأهداف التي يريد تحقيقها في الحياة والنظام الذي وضعناه لتحقيقها، ولكننا ببساطة نفشل في متابعة هذا النظام وتسلسل الخطوات فمن ضمن خطوات تحقيق الهدف هو استغلال الفرص التي يمكن أن تظهر أمامنا قبل أن تطير من بين أصابعنا.
ولكي تستطيع استغلال الفرص التي تمكنك من تحقيق هدفك يجب أن تعلم متى وأين يجب عليك اتخاذ خطوة معينة لذلك، بحيث تضع أوقاتا معينة ومحددة للعمل على هدفك؛ حيث أن الدراسات أثبتت أن ذلك يساعد على زيادة توقعات العقل للفرص المتاحة.

3. معرفة المسافة التي تفصلك عن نهاية الهدف:
لتحقيق أي هدف يجب أن تراقب خطواتك بأمانة لكي تعرف مدى تقدمك، وإن لم تستطيع أن تراقب خطواتك فإنك لن تستطيع تحقيق الخطة التي وضعتها لتحقيق ما تنشد إليه.

4. كن متفائلا بواقعية:
عندما تهدف إلى شيء ما فلابد لك من أنْ تفكر بإيجابية قدر الإمكان حول ما يمكنك فعله لتحقيق هدفك، كما أن الثقة في النفس تساعد كثيرًا على ذلك، ولكن مهما كان لا تقلل من صعوبة الخطوات التي تتخذها؛ فكل الأهداف تحتاج إلى التخطيط وبذل الجهد والمقاومة واستغلال الوقت بشكل جيد.

5. فكر في الحصول على الأحسن لا الحسن:
الرضى بما قسمه الله لك شيء جميل ومحفز للتقدم، ولكن الرضا بما قسمه الله يختلف تمامًا عن الاستسلام للواقع، فيجب عليك أن تثق في قدراتك لتحقيق الأفضل، ويجب عليك أن تجعل من نفسك أفضل كل يوم، ولا تثق في ذكائك وشخصيتك بشكل مبالغ فيه فهذا يضر بك وبهدفك.

6. امتلاك الإرادة:
يجب أن تتمتع بالإرادة لتحقيق أهداف بعيدة المدى والمثابرة في وجه الصعاب، وقد أوضحت الدراسات أن الأشخاص المثابرين يتعلمون من حياتهم بشكل أفضل، ولكن ان كنت لا تملك المثابرة فإن قدرتك على تحقيق النجاح تقل كثيرًا عن الأشخاص العاديين.

ومن الأخبار السارة لمن لا يملكون هذه المهارة أن المثابرة يمكن اكتسابها عن طريق فعل بعض الأشياء التي يمكن أن تساعدك على ذلك عن طريق وضع خطط صغيرة وأهداف واضحة مهما كانت صغيرة في عيون من حولك، ولكنك بتحقيقها والتعود عليها سوف تعطيك نوعًا من المثابرة المكتسبة.

7. التحكم في قوة الإرادة:
تعتبر قوة الإرادة مثلها مثل عضلات الجسم إذا لم تحصل على التدريب الجيد بشكل منتظم فهي تصبح أضعف وأضعف مع الوقت ولكن إذا قمت باستخدامها في أوضاع مناسبة تصبح أقوى وتعطيك القدرة والمساعدة على تحقيق أهدافك. ولكي تقوم بتدريب قوة إرادتك قم بوضع خطة معينة والعمل عليها بشكل أمين مثل الإقلاع عن أكل الأطعمة الغير مفيدة إذا كنت من هواتها أو محاولة تعلم مهارة جديدة ـ ولا أنكر أن هذا التمرين سوف يكون صعبا في بادئ الأمر، ولكنه بالتعود سوف يصبح أسهل ـ وكلما أصبحت قوة إرادتك أكبر كبرت معها قوة التحديات التي تواجهها.

8. لا تعاند الحدود: صحيح أن قوة الإرادة يمكن أن تكون أقوى كل يوم ولكن لكل شيء في هذه الدنيا حدود معينة فلا تحاول وضع نفسك في ضغط لا يمكنك تحمله، ولا تحاول أن تقوم بتحدي أكثر من تحدي واحد في نفس الوقت، فالأشخاص الناجحون لا يحاولون جعل الطريق إلى هدفهم أكثر صعوبة مما هو عليه.

9. ركز على ما سوف تفعله وليس على ما لن تفعله:
هل تريد أن تنجح في خفض وزنك أو الإقلاع عن التدخين أو التغلب على عادة سيئة؟ يجب عليك أن تخطط لكي تجعل عادة أخرى تريدها تحل مكانها بدلا من التركيز على العادة السيئة نفسها؛ فقد أثبتت الدراسات أنه كلما أردت ألَّا تفكر في فكرة ما زاد نشاط المخ تجاهها.

تعليق
أتمنى ألا تكون هذه الخطوات مجرد كلمات في مقال، أتمنى أن ننفذها جميعًا على أنفسنا لكي تكون القراءة مثمرة.
ليس شرطًا أن يكون هدفك هو تغيير العالم أو هدفا كبيرا في نظر الناس، الأهم أن تكون مقتنعا أن هذا طريقك الذي تريد أن تسلكه
ـــــــــــــــــــــــــــ
سها سامي (المجتمع:2067)

février 13, 2015

اللمسة الشخصية

الناس متشابهون إلى حد بعيد في أمور كثيرة، ولذلك فإن كل واحد منا سيظل في حاجة إلى لمسة خاصة تتصل باللطف والشفافية، أو تتصل بالإتقان والجودة، أو تتصل بالعطاء والإحسان، أو بالتعبير وأسلوب الكلام.... 


اللمسة الشخصية شيء يميز الإنسان عن مئات الناس العاديين الذين يختلط بهم، وليس المقصود بالتميز التميز المعبر عن التعالي، وإنما التميز المعبر عن الذوق الرفيع واللطف والكرم والأريحية وحسن الأداء.. وهذا يجعل المرء قدوة تتعلم منه الأجيال الجديدة، وتزدهر به الحياة الراكدة...

هنا سيقول بعض بناتي وأبنائي: ما المقصود باللمسة الشخصية ؟ وهل في إمكان كل واحد منا أن تكون له لمسته الخاصة ؟!
الجواب: نعم.. وبكل تأكيد، وهذه بعض الأمثلة الموضحة:
- تعود أصحاب المحلات التجارية أن يغري كل واحد منهم المتسوقين بالشراء من محله، ويشتد الإغراء في أيام الكساد والركود. بعض أصحاب اللمسة الشخصية كانوا يقولون لمن جاء في الصباح ليشتري منهم: "أنا اليوم استفتحت -أي بعت شيئاً- لكن جاري لم يستفتح بعد اذهب إليه واشتر منه!".

- كل الناس يقولون على مسجلات هواتفهم عبارات قريبة من: (أرجو أن تذكر اسمك ـ ورقم هاتفك ـ وحاجتك).. هناك شخص صاحب لمسة شخصية وراقية جداً سجل على جهازه عوضا عن (حاجتك لي): (وحاجتي إليك) إكراماً للمتصل! لله دره!.
- في عالمنا العربي لا يلتزم معظم الناس بالوعود التي يقطعونها، فتجد الواحد منا يقول: أكون عندك الساعة الثامنة، وربما لا يأتي إلا بعد الساعة التاسعة، وقد لا يحضر أبداً!!
لكن هناك أشخاص قليلون يلتزمون بالمواعيد على نحو دقيق جداً إلى درجة أن في إمكان المرء أن يضبط ساعته على مواعيدهم، وصار من لا يملك ساعة يقول: (الساعة الآن هي السابعة: لأن فلاناً يخرج من بيته الساعة السابعة!).
ما الذي يعنيه هذا الكلام
ما الذي يعنيه هذا الكلام بالنسبة إلى أبنائي وبناتي ؟ إنه يعني الآتي :
1ـ اللمسة الشخصية تعني تميز صاحبها، وأمتنا في حاجة ماسة للمتميزين؛ فحاول أن تكون واحداً منهم.

2ـ اللمسات الشخصية أكثر من أن تحصى، وحين يتوفر الصدق والاهتمام، فإن كل واحد منا قادر - بإذن الله تعالى - على أن تكون له لمسته الخاصة.

3ـ ترتقي الأمة من خلال وجود عدد كبير من أصحاب اللمسات الشخصية، فكونوا عامل ارتقاء بأمتكم.

4ـ بناتي ربما يكن أقدر على إبداع اللمسات الشخصية، ونحن نأمل أن يكن عند حسن الظن.

février 13, 2015

ابني تغيـر!!

ابني تغير إنه لم يعد ذلك الطفل المطيع ؛ لقد بدأ يعاندني بل يخالفني في كثير من القضايا ؛ لم يتقبل كل ما أقوله له عن كثير من قضايا الحياة بكل سهولة كما عهدته من قبل : فقد يجادل ويناقش وقد يرفض التسليم بما أقول . حتى الأنشطة الاجتماعية التي تقوم بها الأسرة كزيارة بعض الأقارب أو حضور مناسبة اجتماعية يرفض الذهاب مع الأسرة إلي كثير منها ويصر علي البقاء في البيت أو مع زملائه. إنه يصر علي السهر: ويمضي مع زملائه وقتاً ربما أطول مما يقضيه مع والديه وإخوانه.


هذه عبارات يرددها كثير من الآباء والأمهات متحدثين عن أبنائهم عندما يصلون إلي المرحلة المتوسطة أو بعد التحاقهم بها بسنة أو سنتين. هذه الشكاوى قد تقولها الأمهات عن بناتهن أيضاً مع بعض الخلافات البسيطة ، فقد تكون الشكوى حول الإصرار علي ملابس معينة أو البقاء علي الهاتف لفترات طويلة . وغيرها من الشكاوى وقد يتحدث الوالدان عن سرعة غضب أبنائهما أو سرعة بكائهما وغير ذلك من الملاحظات التي تؤكد التغير الذي يتحدثون عنه.

ومع أن هذا الوصف قد يكون فيه بعض المبالغة من بعض الآباء والأمهات ، وقد لا تجتمع هذه الأوصاف في ابن أو بنت واحدة إلا أنه يحمل كثيراً من الصحة فالأبناء والبنات لم يعودوا أطفالاً : وهم يمرون بمرحلة انتقالية بين مرحلة الطفولة ومرحلة الراشدين ، إنها مرحلة المراهقة .

هذه المرحلة الانتقالية وما يصاحبها من تغيرات جسمية ونفسية قد لا يجد بعض الآباء سهولة في تقبلها أو التعامل المناسب معها ؛ وهذا راجع لعدد من الأمور منها :
أولاً: الجهل بطبيعة هذه المرحلة وما لها من خصائص تميزها عن غيرها من المراحل . ومع أن جميع الآباء . والأمهات قد مروا بمثل هذه المرحلة فإن كثيراً منهم قد نسي ما كان يحس به وكيف كان ينظر للكبار والحياة بشكل عام عندما كان في تلك المرحلة.

وثانياً: أن الوالدين ينظران دوماً لأبنائهما علي أنهم لا زالوا صغاراً وليس من السهولة تقبل أنهم أصبحوا كباراً يستقلون برأيهم وتصرفاتهم لأن في هذا الاعتراف شعور داخلي بأن ذلك يعني فقد السلطة علي الأبناء ، وإشعار بكبر الآباء . مع أن هذه المشاعر قد يخالطها شعور بالافتخار لتحول الأبناء إلي رجال يقفون مع والديهم في شؤون الحياة والبنات إلي نساء يقفن في والدتهن. إن الوالدين يريدان مزايا تلك التحولات لكن لا يريدان التنازل عن بعض الأمور التي تتطلبها هذه المرحلة.

ولا يعني هنا الكلام أن ما ذكر في مطلع الكلام هنا من صفات يتحدث عنها الآباء أو الأمهات عن أبنائهم وبناتهم أنها صفات حتمية في المراهقة لابد أن يتصف بها المراهق. كلا فإن كثيراً من تلك الصفات تبرر في المراهقة نتيجة طريقة المعاملة التي يتلقاها المراهق ليس من والديه فحسب بل من المحيطين به بشكل عام.
إن الأصل في المراهقة أن تكون طبيعية تمر مروراً سلساً لو تعامل المجتمع معها بما يناسبها.
وإن من الأمور التي جدت في حياتنا المعاصرة طول فترة الإعداد للحياة العملية ، فالفتي أو الفتاة يمضي الواحد منهما أكثر من عشرين عاماً من حياته قبل أن يبدأ في العمل ويتعرف به كعضو كامل العضوية في المجتمع – هذا التأخير ترتب عليه تأخير في إشباع كثير من حاجات المراهق النفسية والفطرية ، وألجأه إلي تصرفات قد تكون غير مقبولة ليثبت لنفسه وللآخرين أنه رجل أو أنها امرأة ، وكلما زاد التضييق من قبل المجتمع علي الشباب في إعطائهم ما تتطلبه مرحلتهم زادت تلك التصرفات كثرة وحدة.

وإن المتأمل في وضع المجتمعات بشكل عام ومجتمعنا السعودي بشكل خاص ليجد أن التعامل مع المراهقين لم تكن مشكلة تقلق بال الآباء والأمهات بشكل كبير في الماضي كما هو الحاصل في وقتنا الحاضر. وهذا لا يعود لتغير المراهقة في ذاتها بقدر ما يعود لتغير نظرة المجتمع وتعاملهم مع المراهقين. لقد كان الفتي يعد رجلاً منذ أن يبلغ السادسة عشرة فهو يبدأ بالعمل ويتزوج بل قد يصبح أباً عند هذه السن، والفتاة قبل ذلك بسنتين أو ثلاث بل ربما أكثر.

ومما لاشك فيه أنه ليس في مقدور الآباء في الوقت الحاضر أن يجعلوا أبنائهم يعملون ويتزوجون في السن التي تزوج فيها أجدادهم لأن الأمر يتعلق بالمجتمع بأسرة ، ولكن يمكن للآباء أن يتعاملوا مع أبنائهم بما يوافق هذه المرحلة بما هو في حدود إمكاناتهم وهذا يتطلب في البداية أن يفهم الوالدان طبيعة هذه المرحلة من خلال الإطلاع والقراءة وسماع المحاضرات التي يتحدث فيها المتخصصون المشهود لهم بالعمل والاستقامة عن مرحلة المراهقة والشباب: وفي نفس الوقت يحاولون أن يسترجعوا بعض ذكرياتهم عندما كانوا في تلك المرحلة وماذا كانت مشاعرهم وتطلعاتهم وأن يحاولوا أن يضعوا أنفسهم موضع أبنائهم . كل ذلك دون إفراط أو تفريط ومحكوماً بضوابط الشرع.
أسأل الله الهداية والسداد للآباء والأبناء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
المكتب التعاوني للدعوة والإرشاد

février 13, 2015

جوالك جزء من شخصيتك


الجوال جهاز فرض نفسه على الدنيا بأسرها، لما له من براعة في التواصل مع الغير في أي مكان وزمان، مما يوفر الوقت والجهد.. ورغم أنه وسيلة عصرية إلا أنه لا يخرج استعماله عن منظومة الآداب الإسلامية التي تتسم بها شخصية المسلم، بل لا نبالغ إذا قلنا أن حُسن استخدام هذا الجهاز من حُسن سمت المسلم، لما فيه من الآداب الكثيرة التي هي مكون قيمي من مكونات الشخصية الإسلامية وآدابها.

• اتصالك بشخص على الجوال لا يقتضي بلزوم رده عليك، فقد يكون المستقبل قد ضبط جهازه على وضع صامت، أو ربما في مكان به ضوضاء شديدة قد لا تمكنه من سماع رنات هاتفه، أو في حالة نفسية أو انشغالية يصعب معها الحديث مع أحد.. أو غيرها من الأعذار التي ينبغي أن نتلمسها للناس، وفي الحكمة: «التمس لأخيك مائة عذر».

• الانفراد بالحديث مع شخص بالجوال معناه أنك قد اقتنصت جزءًا من وقته، وأقحمت نفسك في دائرة أحداثه، واستحوذت على فكره، ولكن أيضا لا ترى حاله بالعين المجردة، فربما يكون في اجتماع مهم، أو أمام آلة دوارة، أو في حالة نفسية سيئة لا تسمح بالحديث.. ولذلك ينبغي الاختصار قدر الإمكان، والتعبير عن المقصود بأوجز الكلمات، خاصة وأن الثرثرة معيبة في حق الفضلاء، فإن كان الموضوع الذي تتحدث فيه يحتاج إلى إطالة فينبغي أن تستعلم أولا من محدثك، هل هو في وقت يسمح له بالشرح والإسهاب؛ لأن الاسترسال في الكلام مع وجود ما ينغص لدى المستمع يشتت فكره ويفوت المقصود من الحديث معه.

• تجنب الاتصال في الأوقات التي لها خصوصية يتأبى معها الحديث، كأوقات الصلاة، وغالبا ما تستمر من الآذان وحتى نصف ساعة بعده، فكثيرا ما نسمع الألحان ومختلف الرنات في المساجد، وهذه ظاهرة لا تليق بحرمة المساجد، وكل هذا بسبب اتصال الثقلاء الذين لا يراعون حرمة الوقت والمكان.

• من الأوقات الحرجة -أيضا- فترات النوم التي غالبا ما يعتاد الناس الراحة فيها، كجوف الليل ووقت القيلولة، وهذا ما أشارت إليه الآية -ولو من بعيد-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}[النور:58].

• الجوال من أيسر الوسائل العصرية لتدعيم تواصلك بالآخرين، فمجرد الاتصال على زميل أو جار أو صديق مسافر لتطمئن على سلامة وصوله إلى مقصده إنما هو تعبير عن وضعك الآخرين في بؤرة اهتمامك، الأمر الذي يزيد من محبتك لديهم. ويندرج تحت هذا الأمر الاتصال بالزوجة وأنت في مكان عملك لتطمئن على أحوالها، وتسألها عن أي أغراض تحتاجها لتشتريها لها وأنت في طريق العودة، ويا حبذا لو تخللت المكالمة بعض الكلمات الرقيقة والدعوات الجميلة، فكل هذا من شأنه أن يزيل الجفوة بين الزوجين، ويذهب ملل الحياة الزوجية الذي يعاني منه الكثيرون، أما الأولاد -وخاصة في سن المراهقة- فيرضيهم غاية الرضا أن يكونوا في قائمة سلم أولوياتك، وما أجمل المكالمة قبل دخولهم لجنة الامتحان بدقائق تشحذ فيها همتهم، وتذهب بها رهبة الموقف، وما أروعها -أيضا- من مكالمة فور خروجهم من الامتحان لتطمئن بها على مستوى الامتحان .. وغيرها الكثير من المكالمات في مواقف متعددة تسعد من حولنا، وتدعم تواصلنا معهم، فأجمل شيء نمنحه لمن حولنا، الاهتمام بأمورهم قبل أمورنا، وإيثار أحوالهم على أحوالنا، وقد مدح الله تعالى الأنصار العظماء إبان الهجرة بقوله عز وجل: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:9]، وقال - صلى الله عليه وسلم-: «ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق» [صحيح الجامع:5721].

• لا ننسى أبدا فتوى كثير من العلماء المعتبرين بأن الاتصال بذوي القربى للاطمئنان على أحوالهم يعد من صلة الأرحام التي أوصانا الله بها، وما أجملها من فتوى تتماشى مع روح العصر والتيسير الذي أمرنا الله تعالى به، خاصة بعدما تعقدت الأحوال، وزادت الانشغالات، وبعدت الديار، وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «ليس شيء أطيع الله تعالى فيه أعجل ثوابا من صلة الرحم، وليس شيء أعجل عقابا من البغي وقطيعة الرحم» [صحيح الجامع:5391].

• كان أحد الفضلاء يستخدم طريقة رائعة لتأليف القلوب، حيث يخرج من جيبه زجاجة عطر ويعطر محدثه، فاقتبسها أحدهم وشحن جواله بالعديد من الفلاشات الدعوية والأنشودات الجميلة ومقاطع تلاوة القرآن العذبة، وكان يحرص على إهدائها للغير عن طريق الجوال بخاصية البلوتوث.

• من أجمل السلوكيات الدعوية المنتشرة بين الإخوة المسلمين، الحرص على إيقاظ بعضهم البعض في صلاة الفجر برنات الجوال، ووالله ما أجملها من سنة، وما أحلاه من تعاون، فتجد الأخ وهو في طريقه للمسجد فجرا لا يبخل على مجموعة من إخوانه برنات جواله، في تعاون على الخير، اقتداء بكلام الحبيب -صلى الله عليه وسلم-: «كل معروف صدقة، والدال على الخير كفاعله» [صحيح الجامع:4556]، وقوله - صلى الله عليه وسلم-: «من سن سنة حسنة، عُمل بها بعده، كان له أجره، ومثل أجورهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء»[صحيح الجامع:6306].

• تعرف على جوالك.. فلا تبخل على نفسك في أوقات فراغك بالتعرف على إمكانات جوالك، والخدمات العديدة التي قد تنتفع بها من خلاله، فكثير من الناس لا يعنيه من الجوال إلا الاتصال واستقبال المكالمات، وبالتالي تنحصر معرفته بجهازه في حدود مفتاح الغلق والفتح، حتى أن البعض يعسر عليه إضافة رقم جديد إلا بشق الأنفس، وقد يستعين بصديق أو مار بالطريق لكي يسجل له الاسم، وهذا عين الغبن، وقمة الكسل، في حين أن التدرب على هذه الأمور لا يكلف شيئا، وشين بالمرء أن يستجدي العلم ويظهر بمظهر الأمي الجاهل وهو يقدر على المعرفة، وعلى الجانب الآخر هناك من يقرأ القرآن من الجوال الذي أغناه عن حمل المصحف، وأعلم أخا داعية قد اكتشف في جوالة خاصية قراءة ملفات (PDF) فما كان منه إلا أن أضاف للجوال كل خطبه للجمعة ومحاضراته الدعوية، وصار يلقيها قراءة من الشاشة عوضا عن الذاكرة.. وغيرها من الأفكار والخدمات التي وفرتها التقنية الحديثة، وحان دورنا أن نستفيد منها غاية الاستفادة لتوفير الوقت والجهد.

• مضار الجوال أشهر من أن تذكر، ومعصية الله عز وجل قد تكون بالجوارح وقد تكون بآلة مساعدة، فقبيح بالمرء -مثلا- أن يسجل مكالمة للمتحدث معه وهو لا يعلم، فقد ينبسط المرء في الكلام ثقة بالمستمع، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما المجالس بالأمانة» [صحيح الجامع:2330] أي أن المجالس الحسنة إنما هي المصحوبة بالأمانة، أي كتمان ما يقع فيها من التفاوض في الأسرار، فلا يحلّ لأحد من أهل المجلس أن يفشي على صاحبه ما يكره إفشاؤه. وهذا يشمل أيضا التصوير.

• أعيذك بالله أن يكون جوالك سبيلا إلى دخول النار، حين تستعمله في إرسال مالا يحل النظر إليه من صور أو أفلام أو مقاطع، أو ما يحرم الاستماع له من أغنيات أو موسيقى أو غيرها، أو حتى ما تحرم قراءته من كلمات أو موضوعات أو نكات أو غيبة أو نميمة، فتكون أنت أول من أرسلها وينشرها الآخرون من بعدك، فتتضاعف سيئاتك، وتبوء أنت بإثمها، فقد جاء في الحديث: "ومن دعا إلى ضلالةٍ، كان عليه من الإثمِ مثلُ آثامِ من تبِعه، لا يُنقِصُ ذلك من آثامِهم شيئا"(رواه مسلم).

février 13, 2015

محطات في حياة المراهق

يمضي المراهقون وقتا أطول في المدرسة أكثر من أي مكان آخر. المدرسة هي أيضا مركز حياة المراهق الاجتماعية حيث إن تجاربهم فيها تحدد نمط حياتهم اليومية. 

ومع تقدم الطفل في المدرسة, فإن الانتقال من الصفوف الابتدائية إلى المتوسطة، ومن ثم المدرسة الثانوية قد يكون صعبا. ففي المدرسة الابتدائية، يتعامل معظم الطلاب مع معلم واحد يعرفونه شخصيا, أما في الصفوف العليا، فهناك مدرس متخصص بكل مادة.
قد تصبح الأدوار المفروضة مصدر حيرة بالنسبة للمراهق خلال سنين المراهقة. ففي بعض المدارس يعتبر الطالب في الصف السادس " طفلا كبيرا"، و في الصف السابع يعتبر "طفلا صغيرا" و يعتبر في الصف التاسع "مراهقا".
قد يعاني العديد من الطلاب من اضطرابات مؤقتة خلال فترة الانتقال من المرحلة الابتدائية إلى المرحلة المتوسطة، حيث تحدث اضطرابات في تقدير المراهق لذاته و قد تنخفض درجاته قليلا.
كما قد يلاحظ أن اهتمامهم و مشاركتهم في الأنشطة المدرسية بدأ في الانخفاض. و قد يشعر المراهق بالغربة و الضعف و الضياع.
و يصبح إجراء التعديلات أمرا صعبا إذا كان المراهق يمر بتغيرات كبيرة أخرى، مثل: البلوغ، أو الانتقال من مكان لآخر أو الانفصال عن شخص عزيز، أو الطلاق.
و خلال سنين المراهقة, تحدث العديد من التغيرات في حياة المراهق على المستوى الاجتماعي، حيث يبدأ بالتغير من الميل إلى الالتزام بالقواعد المفروضة إلى الفردية, ففي سنين المراهقة الأولى يميل المراهق إلى الانسجام مع عائلته، و لكن في منتصف سن المراهقة يبدأ المراهق بالتعرف إلى العديد من الأشخاص و المجموعات، و ينكر انتمائه إلى مجموعة محددة ( العائلة).
خلال منتصف سن المراهقة, يقل تقليد المراهق لمحيطه الأسري و يصبح الأصدقاء هم موضع السلطة بشأن ما ينبغي عمله و قوله و طريقة التفكير و اللبس.
و يبدأ المراهق باستبدال الاستقلال العائلي بالاستقلال الجماعي.
و في هذا السن: تبدأ رغبة المراهق في معاملته بكونه فردا مستقلا. فمثلا: تتغير العبارة من "الجميع يقوم بذلك" إلى "أنا أريد أن أذهب" أو "هذه هي حياتي الخاصة".
وفي سن المراهقة, ينظر المراهق إلى الإخوة والأخوات والأقران والآباء والأمهات على أنهم "القوى المعارضة". وفي منتصف المراهقة, يدرك المراهق أن هناك آراءً مختلفة، و أن رأي الشخص تحدده مصالحه الخاصة.
و على الرغم من أن تأثير الأقران قد يقل خلال أيام المرحلة الثانوية، إلا أنه يستمر في بعض الجوانب. لذلك يحتاج المراهق إلى الحصول على المعلومات والإرشادات من الخبراء و المختصين.
و بالنسبة للأنماط والأذواق: فإن الأقران يعتبرون الخبراء أما في الأمور الأخرى فالوالدين هم الخبراء.
لا يلجأ المراهق عادة إلى والديه لمساعدته في حل واجباته المدرسية، لاعتقاده أن الأمر سيستغرق وقتا طويلا لإعطاء والديه الخلفية التي يحتاجون إليها من أجل حل المسألة. و لذلك عادة ما يلجأ المراهق إلى زملاءه في مثل هذه الأمور.
أما في المسائل الكبيرة مثل: الأخلاق و المدرسة و القرارات التي تختص بالحياة، فعادة ما يلجأ المراهق إلى والديه على الرغم من إدراكه معرفة زملاءه بهذه الأمور و عمق ثقافتهم.
هناك العديد من المحطات التي يمر بها المراهق خلال هذه المرحلة ليصبح شخصاً مستقلاً و عضواً صالحاً في المجتمع.
ينبغي على الوالدين تخصيص بعض الوقت للتحدث والاستماع إلى ابنهما المراهق و مساعدته على مواجهة التحديات اليومية.

février 13, 2015

الجندي المجهول

خواطر راودتني، وأحاسيس غالبتني، ومشاعر حركتني.. فأمسكت بقلمي، وقلبت صفحات ذاكرتي، وتذكرت صفاء الابتداء، وصياغة الأوفياء، وصناعة السابقين، وتاريخ المخلصين ممن قضوا نحبهم وهم أوفياء لدينهم ودعوتهم وبيعتهم، فوجدت أكثرهم نفعا وتأثيرا.. "غرباء"، أو إن شئت فقل ”جنود مجهولون”.


سرعان ما انسالت الكلمات يسطرها القلم، تاريخ عظيم لا أجد له مثيلا، عظماء سطروا لنا معالم التاريخ، دلنا على وصفهم وأخبارهم وحالهم إمام المربين وحبيب المقتدين محمد الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم، فقال: [طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه، أشعث رأسه، مغبر قدماه، يطير على ظهره عند كل هيعة] (رواه البخاري).. غايته مرضاة ربه، قدوته النبي وصحبه، منطلقه دستور ربه، سبيله الجهاد، أسمى ما يتمناه الموت في سبيل ربه ودينه.

ومن أخص وصفه: ما بينه حبيب ربه صلى الله عليه وسلم: [إنَّ أغبطَ أوليائي عندي لمؤمنٌ خفيفُ الحاذِ ذو حظٍّ من الصلاة، أحسنَ عبادةَ ربه وأطاعه في السرِّ، وكان غامضًا في الناسِ لا يشار إليه بالأصابعِ، وكان رزقُه كفافًا فصبر على ذلك، ثم نقر بإصبعَيه فقال: عُجِّلت منيتُه، قلَّتْ بواكيهِ، قلَّ تراثُه](رواه الترمذي وحسنه).

هل رأيتم هذه الصفات العجيبة؟ إنها والله تنطبق على معظم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، (لمؤمن خفيف الحاذ) أي خفيف المسئولية والمؤنة، (غامض في الناس) فلا تسلط عليه الأضواء، ولا يسمع عنه الناس، بل مجهول في وسطهم. (لا يشار إليه بالأصابع) فلا يقال هذا فلان بن فلان، (فعجلت منيته) في الجهاد في سبيل الله، يلقى بنفسه في غمرات الموت لا يهاب، (وقل تراثه، وقلت بواكيه) لأنه يموت في الغربة، كأمثال حمزة بن عبد المطلب عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد مات قرب المدينة، ليس له باك يبكى عليه من زوجة أو ولد، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: [لكن حمزة لا بواكي له] (رواه أحمد وابن ماجة). كذلك مات جعفر بن أبى طالب رضى الله عنه على حدود الروم ولم يبكه أحد، فهم وأمثالهم عاشوا غرباء وماتوا غرباء في سبيل الله رب العالمين.

وأمثال هؤلاء أبكوا خليفة رسول الله الفاروق، حين فتحت نهاوند في أقاصي الشرق وسأل عمن استشهد من الصحابة؟ فقيل: النعمان بن مقرن، وفلان وفلان من القادة، وبعض الجند لا يعرفهم أحد، فبكى عمر بن الخطاب رضى الله عنه وجثا بركبتيه على الأرض، وقال: إياك أن تقول لا يعرفهم أحد، لا يضرهم إن كان لا يعرفهم عمر بن الخطاب ويعرفهم الله الذى في سابع سمائه.
معاذ يبكى.. والفاروق يسأل
مرَّ عُمَرُ بمُعاذِ بنِ جَبلٍ وهو يبكي، فقال ما يُبكيكَ؟ قال حديثٌ سمِعْتُه مِن صاحبِ هذا القبر (يعني النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم)، سمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقولُ: إنَّ أدنى الرِّياءِ شِرْكٌ، وأحَبَّ العبيدِ إلى اللهِ الأتقياءُ الأخفياءُ: الَّذينَ إذا غابوا لَمْ يُفتَقَدوا، وإذا شهِدوا لَمْ يُعرَفوا، أولئكَ أئمَّةُ الهُدَى ومصابيحُ العِلْمَ. (رواه الطبراني وهو ضعيف).. وبكاء معاذ هو نفس ما أبكى عمر حين سأل عن شهداء نهاوند.
هؤلاء غرباء لأنهم طلاب آخرة، لا طلاب دنيا.. طلاب جنة، لا طلاب مكانة ومنصب.. طلاب آخرة وجنة؛ لأنهم حطوا رحالهم هناك [لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها](رواه الترمذى).
يقول إبراهيم بن أدهم: ما صدق الله من أحب الشهرة. وقال ابن مسعود: كونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب، تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض.
فالعمل الصامت عند المخلص أحب إليه من العمل الذي يحفه ضجيج الإعلان وطنين الشهرة. ورحمة الله على من قال: كونوا عبادا قبل أن تكونوا قوادا، تصل بكم العبادة إلى أحسن القيادة.
إن المخلص يستوى عنده العمل، قائدا معروفا أو جنديا مغمورا، فكلا الدورين يبتغى بهما وجه الله تعالى. ورحم الله خالد بن الوليد، المنتصر الفاتح الذى لا يشق له غبار، يأتيه أبو عبيدة ابن الجراح بخبر عزله عن القيادة، فيقدمه فرحا بتخفيف الله، ويعلن صدق إخلاصه بحسن نصحه وإرشاده للقائد الجديد. فالكل في سفينة لا يهم من القبطان، ولكن تأمين المسير هو السبيل لبلوغ شاطئ الأمان.
فكلمة الإخلاص هي التي تسوى بين الرؤوس؛ لا فرق بين أبيض ولا أسود، ولا عربي ولا عجمي إلا بالتقوى.. يستوى مع ذلك القيادة والجندية.
هذا هو الجندى المجهول.. الذى بموته تستمر الحياة، وبتاريخه تبنى الأمم حضارتها، وبذكراه تتوالد الأجيال بعد الأجيال، وبتاريخه العزة والنصر والكرامة والإباء. وصدق الله إذ يقول: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا}(سورة الأحزاب).
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
ماهر أبو عامر

février 13, 2015

تعلق بمن يحبك

يحكى أن فتاة صغيرة كانت مع والدها يعبران جسرا.. خاف الأب الحنون على ابنته من السقوط، لذلك قال لها: حبيبتي أمسكي بيدي جيدا، حتى لا تقعي في النهر.

فأجابت الابنة دون تردد: لا يا أبى.. أمسك أنت بيدي.
رد الأب باستغراب: وهل هناك فرق؟!
فردت الفتاة مجيبة: لو أمسكتُ أنا بيدك فقد لا استطيع التماسك، ومن الممكن أن تنفلت يدي فأسقط.. لكن لو أمسكتَ أنت بيدي، فلن تدعها تنفلت منك أبدا.

من يحبك يحب راحتك وسعادتك أين ومتى كانت.. يفرح لفرحك ويحزن لحزنك.. يسعى في مرضاتك، ويبادر في الاعتذار عند خطأه بحقك.. يقضي حاجاتك بشغف دون كلل ولا ملل.. تجده عند الشدائد نعم المعين، وعند المشورة نعم المشير.. من السهل عليه أن يضحي من أجلك.. لا يتردد في الدفاع عنك.. يرد غيبتك ويصون عرضك.. يتحملك هفواتك ويسدي لك النصح الصادق من غير تفضيح ولا تجريح.. آخر من يقسو عليك أو يتعمد جرح مشاعرك.. يثق فيك إلى أقصى غاية.
وخير المحبة وأدومها ما كانت في ذات الله سبحانه وتعالى، لأنها تتجرد عن حظوظ النفس ومكاسب الدنيا، وتتعفف عن الأهداف والغايات النفعية والمصالح الشخصية، فلا ينتظر منك محبوبك مقابل سوى رضوان الرحمن، ولذلك أوصانا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا: «إذا أحب أحدكم أخاه في الله فليعلمه، فإنه أبقى في الألفة، وأثبت في المودة» [صحيح الجامع:280]
والمعنى "إذا أحب أحدكم أخاه" لدينه وتقواه وحسن شمائله ولصفاته الجميلة"، لأن شأن ذوي الهمم العلية والأخلاق السنية إنما هو المحبة لأجل الصفات المرضية، لأنهم لأجل ما وجدوا في ذاتهم من الكمال أحبوا من يشاركهم في الخلال، فهم بالحقيقة ما أحبوا غير ذواتهم وصفاتهم، وقد يدعي شموله للمحبة الذاتية أيضاً إذا عرت عن المقاصد الفاسدة {وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ}[البقرة:220]، (فليعلمه) لأنه إذا أخبره به فقد استمال قلبه، واجتلب وده، فالإعلام بالمحبة أبقى للألفة وأثبت للمودة، وبه يتزايد الحب ويتضاعف، وتجتمع الكلمة، وينتظم الشمل بين المسلمين، وتزول المفاسد والضغائن، وهذا من محاسن الشريعة.
كما أنه إذا علم أنه يحبه قبل نصحه، ولم يرد عليه قوله في عيب فيه أخبره به ليتركه فتحصل البركة. قال البغدادي: «إنما حث على الإعلام بالمحبة إذا كانت لله لا لطمع في الدنيا ولا هوى، بل يستجلب مودته، فإن إظهار المحبة لأجل الدنيا والعطاء تملق وهو نقص، والله أعلم». وجاء في حديث أن المقول له يقول له: «أحبك الذي أحببتني من أجله» [فيض القدير للمناوي:254، بتصرف]

ابحث عمن يحبك
ابحث عن من يحبك، لا من تحبه أنت.. اجتمع عند أبي الحسن الأنطاكي أكثر من ثلاثين رجلا، ومعهم أرغفة قليلة لا تكفيهم، فقطعوا الأرغفة قطعًا صغيرة وأطفئوا المصباح، وجلسوا للأكل، فلما رفعت السفرة، فإذا الأرغفة كما هي لم ينقص منها شيء؛ لأن كل واحد منهم آثر أخاه بالطعام وفضله على نفسه، فلم يأكلوا جميعًا.

وعن علقمة العطاردي أنه قال في وصيته لابن له لما حضرته الوفاة: «يا بني إن عرضت لك إلى صحبة الرجال حاجة فأصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، وإن قعدت بك مؤونة مانك. اصحب من إذا مددت يدك بخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى منك سيئة سدها. اصحب من إذا سألته أعطاك، وإن سكتّ عنه ابتداك، وإن نزلت بك نازلة واساك. اصحب من إذا قلت صدّق قولك، وإن حاولتما أمراً أمّرك، وإن تنازعتما في شيء آثرك. اصحب من يكتم سرك، ويستر عيبك، ويكون معك في النوائب، ويؤثرك في الرغائب، وينشر حسناتك، ويطوي سيئاتك. فإن لم تجده يا بني، فلا تصحب إلا نفسك».
قال القاضي ابن أكثم: لما سمع المأمون هذا الكلام قال لناقله: «يا رجل أعطني هذا الصاحب، وخذ مني الخلافة!! ولكن أين هو؟!».

وما أروعها لو كانت المحبة متبادلة .. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى في الحديث القدسي: حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتواصلين في، وحقت محبتي للمتناصحين في، وحقت محبتي للمتزاورين في، وحقت محبتي للمتباذلين في; المتحابون في على منابر من نور يغبطهم بمكانهم النبيون والصديقون والشهداء» [صحيح الجامع:4321]
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي، اليوم أظلهم في ظلي، يوم لا ظل إلا ظلي» [مسلم:6713]

(المتحابون بجلالي) أي لعظمتي فالباء بمعنى اللام أو في، وخص الجلال بالذكر لدلالته على الهيبة والسطوة، أي المنزهون عن شوائب الهوى والنفس والشيطان في المحبة، فلا يتحابون إلا لأجلي ولوجهي لا لشيء من أمور الدنيا (اليوم أظلهم في ظلي) أي ظل عرشي كما جاء مصرحاً به في خبر آخر. [فيض القدير 368].

الأنصار والإيثار
قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الحشر:9]
وصف شامل للأنصار {تَبَوَّأُوا الدَّارَ} أي المدينة {وَالْأِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ} أي بيعة العقبة الأولى والثانية من قبل مجيء المهاجرين، بل ومن قبل إيمان بعض المهاجرين. وقيل المعنى تبوءوا دار الهجرة ودار الإيمان، سمى المدينة بالإيمان لأنها مظهره ومصيره {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ} ويستقبلونه بصدور رحبة {وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً} حزازة وغيطاً وحسداً {مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ} يُقدمون المهاجرين على أنفسهم في كل شيء من أسباب المعاش {وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} والخصاصة التي تختل بها الحال، وأصلها من الاختصاص وهو الانفراد في الأمر، فالخصاصة الانفراد بالحاجة، أي ولو كان بهم فاقة وحاجة، وقيل الخصاصة: الفاقة، مأخوذة من خصاص البيت، وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتوح، فكأن حال الفقير هي كذلك، يتخللها النقص والاحتياج.[تفسير أضواء البيان:8/43،وغيره]

قال الشنقيطي رحمه الله: ظاهر النصوص تدل بمفهومها أن غيرهم لم يشاركهم في هذه الصفات، ولكن في الآية الأولى ما يدل لمشاركة المهاجرين الأنصار في هذا الوصف الكريم وهو الإيثار على النفس، لأن حقيقة الإيثار على النفس هو بذل المال للغير عند حاجته مقدما غيره على نفسه، وهذا المعنى بالذات سبق أن كان من المهاجرين أنفسهم المنصوص عليه في قوله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ}[الحشر:8]، فكانت لهم ديار وكانت عندهم أموال وأخرجوا منها كلها، فلئن كان الأنصار واسوا إخوانهم المهاجرين ببعض أموالهم وقاسموهم ممتلكاتهم، فإن المهاجرين لم ينزلوا عن بعض أموالهم فحسب بل تركوها كلها، أموالهم وديارهم وأولادهم وأهلهم، فصاروا فقراء بعد إخراجهم من ديارهم وأموالهم، ومن يخرج من كل ماله ودياره ويترك أهله وأولاده لا يكون أقل تضحية ممن آثر غيره ببعض ماله وهو مستقر في أهله ودياره، فكأن الله عوضهم بهذا الفيء عما فات عنهم.[أضواء البيان:8/43]

إن المسلمين اليوم بأشد الحاجة إلى مثل هذه المؤاخاة والتي لن ترقى إلى مستوى المؤاخاة في المدينة، فليكن فيها التعاون والإيواء والنصرة ومواساة المسلم.

إن الفرد المسلم حين يشعر أن له إخوة يحبهم ويحبونه، وينصرهم وينصرونه، خاصة إذا تفاقمت الأزمات، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، فإن هذا مما يرفع من روحه المعنوية، بل ويرفع قدراته الذاتية، ويجعله أقوى مضاء وعزيمة، وإن فقدان مثل هذه المؤاخاة مما يضعف الصف الإسلامي، ويجعل الفرد المسلم يشعر أحيانا أنه وحيد أمام أعداء يكنون له كل حقد، ويحيطون بع من كل جانب، فكيف يستطيع حمل كل هذه الضغوط النفسية والمادية؟ وإذا كان التوارث قد نسخ فإن التعاهد والمواساة الأخوية من حقوق المسلم على أخيه، وقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم الأشعريين قوم أبي موسى الأشعري لأنهم كانوا «إذا أرملوا تقاسموا الزاد بينهم».

ولا أظن أن المسلمين يستطيعون «الإقلاع» لاستئناف حياة إسلامية – قوية عزيزة- إذا لم يتخلقوا بهذه الأخلاق العملية، ويرتقوا إلى هذا المستوى الإيماني، وإلى هذه التضحيات، وأما هذه المظاهر من الأخوة (باللسان) فلا تجدي فتيلا.[فقه السيرة، محمد العبدة] 

نموذج الاتصال

Nom

E-mail *

Message *

Traduction ترجمة

التسميات